الجريحة الشهيدة الشاهدة… هناء عامر بقلم رامي جودات عامر

رحلت الحاجة هناء، وبقيت الحكاية شاهدة على الوجع والحقيقة

مع اقتراب الذكرى السبعين لمجزرة كفر قاسم، رحلت عنا الجريحة الحاجة هناء عامر، الشاهده الوحيدة على جريمة استشهاد ثلاث عشرة امرأة من نساء كفر قاسم، اللواتي ارتقين برصاص الغدر أثناء عودتهن من العمل.

في كل عام، ومع إحياء ذكرى المجزرة، كانت المسيرة تمرّ من أمام بيت الحاجة هناء، فتستقبل الزوار والطلاب، وتروي لهم حكايتها وحكاية شاحنة النساء، التي تحوّلت إلى شاهد على واحدة من أكثر صفحات المجزرة إيلامًا.

كنت ألتقي بها كل عام، برفقة طلاب يأتون من خارج المدينة، لنستمع إلى شهادتها. كان صوتها هادئًا، لكن حكايتها كانت تحمل وجعًا أكبر من الكلمات. كانت عيناها تدمعان، ونظراتها تختزن خوفًا لم تمحُه السنوات، ومع ذلك، كانت تصرّ على رواية الحقيقة، وكأنها تحمل أمانة الشهداء، وترفض أن يطوي النسيان تفاصيل ما جرى.

لم تكن الحاجة هناء تروي حكاية من الماضي فحسب؛ كانت تعيدنا إلى لحظة الألم، وتمنح الأجيال فرصة أن تسمع الحقيقة من صاحبتها، من امرأة عاشت الجرح وحملت شهادته طوال عمرها.

رحلت الحاجة هناء، وستغيب عنّا هذا العام، ولن نمرّ ببيتها لنستمع إلى صوتها كما اعتدنا. لكن غيابها لن يُسكت حكايتها، ورحيلها لن يُسقط شهادتها من ذاكرة كفر قاسم.

ستبقى روايتها تنتقل من جيل إلى جيل، وستظلّ حكاية النساء الثلاث عشرة أمانة في أعناقنا، نرويها لأبنائنا وأحفادنا، حتى لا تُنسى الحقيقة، وحتى تبقى الذاكرة حيّة ما بقي فينا قلب ينبض وضمير يشهد.

رحم الله الحاجة هناء عامر، الجريحة التي حملت الجرح، والشاهدة التي حملت الحقيقة، والإنسانة التي بقي صوتها شاهدًا على وجع لا يمحوه الزمن.

إلى اللقاء يا حاجة هناء… سنفتقد صوتك، لكننا لن ننسى حكايتك.

شاهد أيضاً

المساء الذي لم يعد عاديًا فيلم قصير عن مجزرة كفرقاسم

المساء الذي لم يعد عاديًافيلم قصير يستحضر لحظةً غيّرت ملامح المساء في كفر قاسم إلى …