العرب في الكنيست الإسرائيليّ: من التمثيل إلى التأثير بقلم مفلح أبو جابر (أبو بشّار)

لا شكّ أنّ الدخول إلى صلب السياسة العربيّة في إسرائيل يفرض علينا الإجابة عن سؤاليْن مهمّيْن جدًّا: الأوّل: كم نائبًا عربيًا يجلس في البرلمان الإسرائيليّ؟ الثاني: كم قرارًا يستطيع هؤلاء النوّاب التأثير فيه عندما تبدأ صناعة القرارات؟
في السياسة، هناك فرق شاسع بين أن تكون حاضرًا في المشهد وبين أنْ تكون فاعلًا فيه، بين أنْ تمتلك مقعدًا وبين أنْ تمتلك ورقة تفاوض، وبين أنْ يكون لك تمثيلًا سياسيًا، وبين أنْ تصبحَ مطالبُك جزءًا من الحسابات السياسيّة.
والسؤال الذي يفرض نفسه هو:
هل استطاع العرب على مدى عقود من تواجدهم في الكنيست الإسرائيليّ أنْ ينتقلوا من مرحلة التمثيل إلى مرحلة التأثير؟؟
نحن نعلم أنّ نظام الانتخابات للكنيست في إسرائيل يسير وِفق نظام التمثيل النسبيّ، والّذي قد يمنح الأحزاب الصغيرة والمتوسطة إمكانية الوصول إلى الكنيست إذا تجاوزت نسبة الحسم.
لكن الأرقام وحدها لا تكفي لفهم الصورة بشكل كامل.
ففي الانتخابات الأخيرة، عام 2022، بلغت نسبة التصويت لدى العرب والدروز 53.2% فقط، وأنّ نسبة دعم القوائم العربيّة في البلدات العربية بلغت 44.9%.
وهنا تظهر مفارقة سياسيّة شديدة الأهميّة، فقد يكون المجتمع كبيرًا بما يكفي ليكون قوّة سياسيّة مؤثّرة، لكنّه لا يستخدم كامل قوّته الانتخابيّة. وهذه ليست مشكلة تقنيّة في الانتخابات؛ إنّها مشكلة في مفهوم القوّة السياسيّة ذاته. فالصندوق لا يمنح القوّة لمن يملك عددًا أكبر فقط، وإنّما لمن يستطيع تنظيم هذا العدد وتحويله إلى قرار سياسيّ. لأنّ البرلمان ليس منبرًا لإعلان المواقف ورفع الشعارات، فهنالك الكثير من الأماكن الأخرى لفعل ذلك، لكنّ البرلمان في الدرجة الأولى لتحقيق المصالح وانتزاع الحقوق وخوض القرارات الّتي تخدم النّاس.
ومن هنا يجب التمييز بين نوعيْن من السياسة:
سياسة الموقف، حيث تقول ما تؤمن به. وسياسة القوّة، حيث تعرف كيف تجعل الآخرين يأخذون موقفك في الحسبان. لا يعني ذلك التخلّي عن المبادئ، بل يعني أنّ المبدأ الذي لا يمتلك أدوات سياسيّة لتحويله إلى واقع عمليّ، يبقى في كثير من الأحيان موقفًا أخلاقيًا أكثر منه سياسة مؤثّرة.
ولذلك فإن السؤال الأهمّ أمام أي كتلة عربية في الكنيست ليس:”ماذا سنقول؟” بل: “ماذا نستطيع أنْ ننتزع من خلال التفاوض وعن طريق خوض السياسة بشكل فعّال من الداخل؟
والفرق بين السؤالين هو الفرق بين الاحتجاج وبين صناعة القرار.
ففي الانتخابات عام 2021 قرّرت القائمة العربيّة المُوحّدة الدخول إلى الائتلاف الحكوميّ والمُشاركة الفعليّة في العمليّة السياسيّة. ولا شكّ أنّ هذه المُشاركة طرحت السؤال الذي ظلّ حاضرًا في السياسة العربيّة لسنوات: هل تكون المشاركة في العمليّة السياسيّة وسيلة لتحقيق مطالب المجتمع، أم أنّ هذه المشاركة تصبح تنازلًا عن الهُويّة العربيّة؟
وهذا السؤال يأخذنا إلى نقاش آخر، ليس حول المشاركة أو عدم المشاركة فقط، وإنما حول شروط المشاركة، وأهدافها، ونتائجها، وآليات محاسبة من يشارك باسم المجتمع. وبعد الوصول إلى إجابات واضحة ومُقنعة لهذه النقاط، بعد البحث الدقيق والعميق والمعرفة الكاملة بحيثيّات السياسة ومداخلها ومخارجها، ثمّ العمل المستمرّ بصدق وثقة وإصرار. نكون قد وصلنا إلى سياسة أكثر نُضجًا وفاعليّة. وعندها يصبح النائب جزءًا من منظومة أكبر منه، ويتحوّل إلى سفير يحمل رسالة مجتمعيّة، تضع له خطوطًا عريضة يتنقّل بينها وحدودًا واضحة لا يتعدّاها، وهو على ثقة تامّة بالدعم والتأييد. وتُصبح السياسة حقيقيّة وفاعلة وقادرةً على تحويل المواقف إلى: قرارات، قوانين، موازنات، تحالفات، ضغط انتخابيّ، ومؤسّسات قادرة على الاستمرار. وبالتالي تتحوّل صيغة الأسئلة المطروحة على النائب وتتغيّر معانيها:
مِنْ سؤال، مَنْ أنتَ؟ إلى سؤال: ماذا فعلتَ؟ ومن: إلى أيّ حزب تنتمي؟ إلى: ما الّذي حقّقته من إنجازات؟
وهذا المفهوم للسياسة العربيّة في إسرائيل، لا يُلغي الهُويّة ولا يُناقضها، وإنّما يضعها في مكانها الصحيح: مصدرًا للوعي والانتماء، لا بديلًا عن الأداء السياسيّ. كما أنّ التحالفات السياسيّة ليست خيانة للهُويّة، فالسياسة تقوم على البحث عن نقاط الالتقاء مع الآخرين، بهدف جلب منفعة أو درء مفسدة، شرط ألّا يتعارض ذلك مع نصّ دينيّ صحيح، صريح وثابت.
من هنا، فإنّه إذا أردنا تطوير تأثيرنا السياسيّ في الدولة، علينا أن نفهم ونعي جيّدًا أنّ العدد مهمّ، لكنّه لا يكفي. وأنّ الوحدة ليست بالضرورة تطابقًا في الآراء، فيمكن للمجتمع أن يكون متعدّد الأحزاب، لكنّه موحّد حول مجموعة من المصالح الأساسيّة. وندرك أيضًا أنّ المعرفة جزء لا يتجزّأ من مفهوم القوّة السياسيّة، فمن لا يملك المعرفة، الخبرة والتجربة، فلا مكان له في السياسة. ومن لا يعرف كيف يتحرّك في هذه المنظومة الكبيرة والمُعقّدة بين الثوابت والمتغيّرات، سيتعثّر قبل أن يبدأ. ثمّ إنّ النائب الّذي يرى في إنجازاته واجبًا لا تفضّلًا، ويرى في مقعده البرلمانيّ تكليفًا لا تشريفًا، يكون دائم الاستعداد للمحاسبة والنقد والمُراجعة، ومن كان غير ذلك، فإنّه يرى في التصفيق نشوةً تُغنيه عن كلّ مُساءلة، وتكفيه عن كلّ إنجاز.
هذا المفهوم الصحيح للسياسة (حسب رأيي) يُحوّلنا من مجرّد جمهور انتخابيّ إلى قوّة سياسيّة فاعلة، ويجعلنا نطرح أسئلة عميقة، تنمّ عن فهم ووعي ومسؤوليّة، أسئلة تكون بمثابة البوصلة الّتي توجّه النائب من جهة، وتضعه تحت المجهر من جهة أخرى.
فبدل أن نسأل: كم نائبًا عربيًّا دخل الكنيست؟ علينا أن نسأل: كم سياسة تغيّرت؟ كم ميزانيّة تحوّلت؟
كم قانونًا عُدّل؟ كم قضيّة أصبحت جزءًا من جدول الأعمال؟
وكم مرّة اُضطرّ صانع القرار إلى التفاوض مع الأحزاب العربيّة بدل الاكتفاء بسماعها؟
هنا فقط يبدأ الفرق بين التمثيل السياسيّ وبين التأثير السياسيّ.
فالبرلمان يمنحك فرصة الكلام، لكنّه لا يمنحك بالضرورة القدرة التأثير.
والانتخابات تمنحك الشرعيّة، لكنّها لا تمنحك النفوذ بشكل تلقائيّ.
كما أنّ المقعد هو بداية الطريق لا نهايته، وأنّ العرب لا يحتاجون فقط إلى مزيد من المقاعد، إنّهم بحاجة إلى بناء ثقافة سياسيّة جديدة ترى النائب أداة، والحزب مؤسسّة، والانتخابات وسيلة، والتحالفات ضرورة، والمعرفة قوّة، والمحاسبة شرطًا. وفي إسرائيل، يعني ذلك أنْ يتحوّل الحضور العربيّ من مجرّد رقم في معادلة الكنيست إلى قوة تفاوضيّة قادرة على التأثير في السياسات التي تمسّ حياة المواطنين العرب.
وأخيرًا نصل إلى سؤال شامل ومهمّ جدًّا: هل نريد أن يكون الصوت العربيّ مجردّ ورقة اقتراع، أم نُريد أنْ يصبح لهذا الصوت وزن وتأثير عند اتّخاذ القرارات؟
فالتواجد في الكنيست هو التمثيل، أمّا القدرة على التأثير فهي صناعة القرار. وهذه هي المسافة بين السياسة الفاعلة والمؤثّرة وبين سياسة الخطابات والشعارات.

شاهد أيضاً

جمعية ضياء العارفين توزّع 75 منحة دراسية بقيمة 300 ألف شيقل

جمعية ضياء العارفين في كفر قاسم وللعام الرابع عشر على التوالي ، توزّع 75 منحة …