شهيد لقمة العيش طيب الذكر: الشيخ الحاج أشرف محمد عباس طه «أبو محمد»

«اللي خلّف ما مات».. لقاء أعادني عشر سنوات إلى يومٍ حزين في كفر قاسم

وأنا أتجول في شوارع مدينتي كفر قاسم، قادني القدر إلى لقاء عزيز أعاد إلى ذاكرتي رجلًا رحل عن دنيانا قبل أكثر من عشر سنوات، لكنه لم يرحل عن ذاكرة من عرفوه…

بعد فترة من الانقطاع وعدم اللقاء، صادفت القريب والحبيب الشاب حمزة أشرف محمد عباس طه، نجل شهيد لقمة العيش، طيب الذكر الشيخ الحاج أشرف محمد عباس طه «أبو محمد».

كان لقاءً عابرًا في المكان، لكنه لم يكن عابرًا في الذاكرة؛ فما إن رأيت حمزة حتى عاد بي الزمن إلى ذلك اليوم الحزين، 19 كانون الثاني/يناير 2016، يوم انتقل والده إلى جوار ربه إثر حادث عمل أليم في سهل المدينة، في المنطقة التي تُعرف اليوم بالمنطقة الصناعية «واجهة البلاد»، بالقرب من سوبر ماركت أبو البحر.

يوم لا يُنسى

لن أنسى ذلك اليوم ما حييت.

كنت قريبًا من موقع حادث العمل، وقد سبق لي أن عملت لأكثر من سنتين في أحد المعرشات في سهل المدينة، ولهذا كان للمكان وللخبر وقع خاص في نفسي.

انتشر نبأ رحيل أبو محمد كالنار في الهشيم، وتحول ذلك اليوم إلى يوم حزن في كفر قاسم. كانت الفاجعة كبيرة، ليس على أسرته وأقاربه فحسب، وإنما على مدينة عرفت الرجل وعرفت أخلاقه وسيرته الطيبة.

وشارك الآلاف من أهالي المدينة في تشييع جثمانه الطاهر إلى مقبرة الشهداء، في مشهد جسّد مقدار المحبة والاحترام اللذين حظي بهما في حياته.

رجل أحب الخير بعيدًا عن الأضواء

عُرف الشيخ أشرف طه «أبو محمد» بأخلاقه الحسنة، وطيب المعشر، وحب الخير ومساعدة الآخرين.

وكان من أولئك الرجال الذين يفعلون الخير بصمت، ويتبرعون في الخفاء، ويسعون في الإصلاح بين الناس دون انتظار شكر أو مقابل.

كما كان من شباب الحركة الإسلامية الذين ناصروها ودعموها، ومن أبناء جيل حمل همّ كفر قاسم وأهلها، وساهم مع غيره من أبناء المدينة في حمايتها وحراستها وخدمة أهلها.

لم يكن بحاجة إلى ضجيج حتى يعرفه الناس؛ فقد كانت سيرته وأعماله وأخلاقه تتحدث عنه.

«اللي خلّف ما مات»

رحل أبو محمد مبكرًا، لكنه ترك وراءه ما هو أبقى من العمر: الذكر الطيب والأبناء الصالحين والسيرة الحسنة بين الناس.

ترك زوجته وأبناءه؛ التوأم حمزة وخالد، والحبيب محمد، وطفلته الغالية، ليكبروا وهم يحملون اسم أبيهم وذكراه وإرثه الطيب.

ولهذا، عندما التقيت حمزة اليوم بعد طول غياب، شعرت أن بعض الراحلين لا يغيبون تمامًا؛ نراهم في وجوه أبنائهم، وفي أخلاقهم، وفي الذكريات التي تركوها في قلوب الناس.

وصدق المثل الشعبي الجميل:

«اللي خلّف ما مات».

قد يغيب الإنسان عن الدنيا، لكن صاحب السيرة الطيبة يبقى حاضرًا بين الناس، ويظل اسمه يُذكر كلما ذُكر موقف خير، أو معروف صنعه، أو أثر جميل تركه خلفه.

رحم الله الشيخ الحاج أشرف محمد عباس طه «أبو محمد» رحمة واسعة، وغفر له، وجعل ما قدمه من خير وصدقات وإصلاح بين الناس في ميزان حسناته، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة.

رحل أبو محمد… لكن بقيت سيرته، وبقي أثره، وبقي أبناؤه يحملون اسمه.
فالرجال أصحاب الأثر لا يموتون في ذاكرة الناس.

شاهد أيضاً

رسالة : معاناة سائقي الشاحنات العرب في هذه البلاد

وصلتنا رسالة من سائق شاحنة – ننشرها كما هي –معاناة سائقي الشاحنات العرب في هذه …