سبعون عامًا مرّت على مجزرة كفر قاسم، وما زال الجرح ينزف، وما زالت الحكاية حيّة في وجدان هذا البلد، تنتقل من جيل إلى جيل، حاملةً معها وجع الفقد، وذاكرة الدم، وواجب الوفاء لمن دفعوا حياتهم ثمنًا لجريمة لا يمحوها الزمن.
سبعون عامًا، ولم تصبح المجزرة مجرّد حدث من صفحات التاريخ، ولم تتحوّل أسماء الشهداء إلى أرقام تُذكر في المناسبات. إنهم آباؤنا وأجدادنا وأبناؤنا، أصحاب الحكايات التي انقطعت، والأحلام التي لم تكتمل، والعائلات التي بقيت تحمل ألم الفراق جيلًا بعد جيل. إنهم جزء من ذاكرتنا وهويتنا، ومن مسؤوليتنا أن نحفظ حكايتهم كما هي، وأن ننقلها إلى أبنائنا وأحفادنا بأمانة وصدق.
إن الوفاء للشهداء ليس شعارًا نرفعه في يوم الذكرى، بل عهدٌ يتجدّد في ضميرنا ومسؤولية نحملها على مدار العام. فالوفاء الحقيقي يبدأ بحفظ الذاكرة، وتعريف الأجيال الجديدة بما حدث، وترسيخ قيم العدالة والكرامة الإنسانية، حتى لا تتحوّل المأساة إلى حكاية بعيدة عن حياة من لم يعيشوا أحداثها.
وفي كل عام، تقف كفر قاسم أمام محطّة جديدة من محطات الوفاء لشهدائها. وكما في كل عام، ستكون المسيرة التقليدية في صلب إحياء الذكرى، بوصفها رمزًا لنضال الرعيل الأول، وللإرادة التي حملت الذاكرة وحمتها في أصعب الظروف. لقد حافظ هذا الرعيل على شعلة الذكرى، ورفض أن يترك أسماء الشهداء للنسيان، فكانت المسيرة على مدار العقود تعبيرًا عن الوفاء والصمود، ورسالةً واضحة بأن هذه القضية ستبقى حيّة ما بقي فينا من ينقلها ويحمل أمانتها.
ومن حق كل جيل أن يضيف إلى مسيرة الوفاء اجتهاداته ومبادراته وفعالياته، وأن يبحث عن وسائل جديدة تصل إلى الشباب والأطفال، وتقرّب إليهم الحكاية وتمنح الذاكرة حياةً متجدّدة. فكل مبادرة صادقة تسهم في إحياء الذكرى تستحق التقدير والترحيب، ما دامت تنطلق من احترام الشهداء، وتحافظ على جوهر المناسبة، وتدرك أن الذاكرة ليست مساحة للمنافسة، بل مسؤولية مشتركة تجمع أبناء البلد حول تاريخهم وكرامتهم.
لكن تعدّد الفعاليات لا ينبغي أن يجعلنا ننسى الأساس الذي قامت عليه هذه الذكرى، ولا أن يحجب الدور التاريخي الذي أدّاه الرعيل الأول في الحفاظ عليها. فالمسيرة ليست مجرّد فعالية بين فعاليات، بل هي امتداد لتاريخ من النضال والتضحيات، وجسر يربط الأجيال التي عاشت الألم بالأجيال التي ورثت الأمانة. واحترام هذا الإرث لا يتعارض مع التجديد، بل يمنحه معناه وعمقه.
إن الذكرى السبعين ليست مجرّد رقم جديد نضيفه إلى سجل السنوات، بل مناسبة لنسأل أنفسنا: ماذا فعلنا كي تبقى الحكاية حيّة؟ ماذا قدّمنا لأبنائنا حتى يعرفوا أسماء الشهداء وقصصهم؟ وكيف نحوّل الوفاء من حضور سنوي في المسيرة إلى ثقافة راسخة في بيوتنا ومدارسنا ومؤسساتنا ومجتمعنا؟
إن مسؤوليتنا اليوم أكبر من مجرّد استذكار الماضي؛ فهي مسؤولية حماية الذاكرة من النسيان، وصون الحقيقة من التشويه، ونقل الرسالة إلى جيل جديد لم يعش المجزرة، لكنه يحمل واجب التعرّف إليها والتعلّم من دروسها. فالأوطان التي تحفظ ذاكرة ضحاياها تحفظ كرامتها، والشعوب التي تتمسّك بحكاياتها تمنح أجيالها جذورًا تعرف بها من أين جاءت وإلى أين تريد أن تمضي.
وعلى أعتاب الذكرى السبعين، نقول لشهدائنا: لم ننساكم، ولن تكون السنوات الطويلة جدارًا يفصلنا عنكم. سنحمل أسماءكم، ونروي حكاياتكم، ونسلّم الأمانة إلى أبنائنا كما تسلّمناها من الذين سبقونا.
وسنظل أوفياء للرعيل الأول الذي حمل مشعل الذكرى، وسنرحّب بكل جهد صادق يضيف إلى هذه المسيرة، لأن الغاية واحدة، والأمانة واحدة، والوجع واحد.
سبعون عامًا والجرح ينزف، وسبعون عامًا والحكاية مستمرّة… ما دامت كفر قاسم تحفظ أسماء شهدائها، وما دام في أبنائها من يحمل الأمانة، ستبقى الذاكرة حيّة، وسيبقى الوفاء عهدًا لا يسقط بالتقادم.

نبض كفرقاسم Nabd KQ من كفرقاسم… وإليها، بكل نبضة حب وانتماء.