فزاعة ليس اكثر :
كلما اقتربت ذكرى مجزرة كفر قاسم، يخرج علينا من يتصرف وكأنه المالك الحصري للذاكرة الجماعية، وكأن الذكرى لا تعيش إلا من خلاله، ولا تبقى إلا إذا اعتلى المنصة وألقى خطابه المعتاد أمام الكاميرات.
هذا العام، وفي الذكرى السبعين للمجزرة، تقرر الحفاظ على المسيرة المركزية التي تمثل جوهر المناسبة، مع تقليص المهرجان والاعتماد على فعاليات محلية أكثر تواضعاً. وفجأة ارتفعت الأصوات المحذرة من “ضياع الذاكرة الجماعية” و”المساس بمكانة الذكرى”. وكأن سبعين عاماً من التاريخ والصمود والوعي الشعبي يمكن أن تنهار بسبب اختصار مهرجان أو تقليص عدد الخطباء.
هذا الكلام لا يصمد أمام أي منطق. فهل بقيت مجزرة كفر قاسم حية لأن فلاناً ألقى خطاباً كل عام؟ وهل حفظ الناس أسماء الشهداء لأن ضيفاً من خارج البلاد تحدث لساعتين على المنصة؟ أم أن الذكرى بقيت لأن أهل كفر قاسم حملوها في قلوبهم ونقلوها من جيل إلى جيل؟
الحقيقة أن بعض من يرفعون شعار “حماية الذاكرة” يخلطون بين حماية الذاكرة وحماية مواقعهم الشخصية. فالذاكرة لا تحتاج إلى حشود من المتحدثين الذين سمعنا الكلام نفسه منهم عشرات المرات، ولا تحتاج إلى استعراضات مكلفة تستهلك أموالاً عامة يمكن توجيهها إلى أماكن أكثر حاجة.
في زمن تعاني فيه عائلات من ضائقة اقتصادية، وفي وقت يواجه فيه أهلنا في غزة والضفة ظروفاً إنسانية قاسية، يصبح السؤال الأخلاقي واجباً: هل الأولوية لمهرجان ضخم ومصاريف إضافية، أم لمساعدة الناس ودعم من يحتاجون إلى العون؟
من المؤسف أن يتحول النقاش من كيفية خدمة المجتمع إلى كيفية المحافظة على مهرجان اعتاد عليه البعض. وكأن قيمة الذكرى تقاس بحجم المسرح وعدد الضيوف وطول الكلمات. الحقيقة أن قيمة الذكرى تقاس بمدى حضورها في الوعي، وبقدرتنا على استخلاص العبر منها، وباحترامنا للمال العام الذي هو مال الناس جميعاً.
مجزرة كفر قاسم أكبر من أي مهرجان، وأكبر من أي منصة، وأكبر من أي متحدث. لقد نجت من محاولات الطمس والتجاهل طوال سبعين عاماً، ولن تهتز لأننا قررنا أن نكون أكثر مسؤولية في إنفاق أموال الجمهور.
الذاكرة ليست للبيع، وليست بحاجة إلى تجار مواسم يخرجون مرة في السنة ليحدثونا عن أهميتها. الذاكرة محفوظة بدماء الشهداء، وبوعي الناس، وبالمسيرة التي ستبقى تمشي كل عام. أما المهرجانات فتبقى مجرد وسيلة، ولا يجوز أن تتحول إلى غاية بحد ذاتها.

نبض كفرقاسم Nabd KQ من كفرقاسم… وإليها، بكل نبضة حب وانتماء.