قضية العصفورة… بقلم الاستاذ زاهر عامر

قضية العصفورة… 🐦
فرفور كانت كنيته، وأحمد كان اسمه، وعمره لم يتجاوز الثانية عشرة…
ذات يوم، نزل فرفور برفقة اثنين من أصحابه وأبناء صفه، سمير وحمزة، إلى سوق السبت او العصافير المعروف في أول البلد، خصيصا لشراء عصفورة ..

ارادها انثى !! فقد كان باني عليها أبراجا من الأحلام.. تبيض وتفقس، ويصير عنده عصافير صغار….
يعني باختصار، شغل استثمار وتجارة …🙃

دخل الاصحاب جوف السوق مهرولين بحماس، وتوجهوا مباشرة إلى جناح العصافير. وبعد حيرة طويلة، ونصائح واقتراحات من الشمال واليمين، وقع اختيار فرفور على عصفورة تناسب ميزانيته المتواضعة… 15 شيكلا!

حملها في صندوق كرتوني مثقوب، خوفا عليها من الاختناق، وخرج من السوق طايرا من الفرحة، يتمختر بعصفورته.. واصحابه حواليه كانهم بمهمة حراسة..

وكانوا من الحين للاخر يجلسون بجانب الطريق للاستراحة، ويجلسون حول الكرتونة، يفتحونها بحذر، ويخرجون العصفورة للاطمئنان عليها يطعموها ويسقوها ويعيدونها إلى الصندوق ويتابعون المسير… وهكذا دواليك.

في منتصف الطريق، طلب سمير من صاحبه فرفور، وألح عليه وترجاه، أن يسمح له بحمل الكرتونة قليلا. وافق فرفور على مضض، فاستلم سمير الكرتونة فرحا ومتبخترا، وكأن الدنيا وما فيها صارت بين يديه!

ولكن، لسوء حظه، حين فتحوا الصندوق في الاستراحتهم التالية، كانت العصفورة المسكينة قد فارقت الحياة!
هنا جن جنون فرفور، واتهم صاحبه بالتسبب في وفاتها، وطالبه برد ثمنها فورا، بحجة أنها ماتت وهي كانت معه!
أما سمير، فدافع عن نفسه مدعيا أن العصفورة كانت من البداية تعبانة وغير طبيعية ، وأن موتها لا علاقة له بحمله للكرتونة.
هذا الرد زاد الطين بلة، واشعل الجدل بينهم ، وارتفعت الأصوات، حتى تحول الخلاف إلى عراك بالأيدي، و”تفعفل” الاثنان على تراب الطريق، دون أن تفلح محاولات حمزة في التفريق بينهما.
تجمع المارة حولهم، وتدخل أحد الشباب، وبعد أن فهم تفاصيل القضية، وبنية طيبة، قرر حل النزاع على طريقته.. فأخرج من جيبه ورقة نقدية من فئة 20 شيكلا، وسلمها لفرفور بدلا من سمير، مشترطا عليهما إنهاء الخلاف والعودة معا إلى بيوتهم أصحابا وأحبابا.

طبعا، فرح فرفور بهذا الحل السخي، ودس الورقة النقدية في جيبه، وتابع الثلاثة طريقهم نحو البلدة.
ولكن… لم تدم الهدنة طويلا!
فبعد مسافة قصيرة، وسوس الشيطان في رأس سمير، واكتشف أن فرفور قد ضحك عليه، وحصل على 20 شيكلا مقابل عصفورة ثمنها 15 فقط!
وعليه، طالبه بإعادة فرق الخمسة شواقل!

ومرة أخرى، صراخ وتهديد، وكاد العراك يتجدد، لولا تدخل حمزة، الذي انحاز إلى جانب سمير، وأقنع فرفور بإعادة الخمسة شواقل لسمير، فتمت التسوية، وعاد الهدوء…من جديد..

في صباح اليوم التالي، عند بوابة المدرسة، فتحت قضية العصفورة من جديد، واشتعلت الحرب مرة أخرى!
لكن هذه المرة، كان النزاع بين حمزة وسمير!
فقد طالب حمزة بحقه في نصف الشواقل الخمسة، مدعيا أنه صاحب الفضل في استردادها من فرفور، وأنه لولا تدخله لما حصل سمير على شيء!

فاجتمعت المربية، المستشارة وأهالي الطلاب قرابة ساعتين، يحاولون فهم تفاصيل القضية، وفك تشابك الحسابات، وتقريب وجهات النظر بين أطراف النزاع…
والحمد لله، انتهت الجلسة بالصلح والمسامحة بين أعضاء شلة فرفور، ورفعت الراية البيضاء..

ولكن بعد أسبوع واحد فقط، عادت شياطين الإنس والجن لتلعب في رأس فرفور.. وعاد يطالب سمير بثمن عصفورته، مدعيا أن الشواقل الخمسة عشر التي حصل عليها كانت من جيب الزلمة الذي تدخل في الشارع، وليس من جيب سمير، وأن الأخير لم يدفع له حتى الآن ثمن العصفورة!
وهكذا… عادت القضية إلى نقطة الصفر.. ويلا ..جلسات واتصالات وتعهدات وووو

خلاصة الحديث🎯
قضية العصفورة العرقوبية، قصة قديمة من أيام ما قبل التيك توك والسناب شات، لكنها تتكرر اليوم في حياتنا المعاصرة بأشكال وأسماء وحبكات ابتكارية مختلفة.
فكثيرا ما يضعنا أولادنا وطلابنا أمام قضايا “دائرية”؛ قد تبدأ خارج أسوار المدرسة أو داخلها، ثم تتدحرج وتتشعب،
وإذا لم يكن هناك تعاون حقيقي وتنسيق وتكامل بين البيت والمدرسة، فسنظل نلف وندور في حلقات مفرغة، نستنزف فيها وقتنا وطاقاتنا وفي نهاية المطاف، يكون أولادنا هم الضحية!

شاهد أيضاً

جمعية ضياء العارفين توزّع 75 منحة دراسية بقيمة 300 ألف شيقل

جمعية ضياء العارفين في كفر قاسم وللعام الرابع عشر على التوالي ، توزّع 75 منحة …