كنت خلف القضبان حين وصلني خبر رحيل عبد الباسط – بقلم مصطفى عبد الله

كلما عدت بذاكرتي إلى نهاية عام 2006 وبداية عام 2007، أشعر أنني لا أتذكر مجرد تواريخ، بل أعود إلى أيام عشت تفاصيلها لحظة بلحظة، وما زال بعضها حاضرًا في داخلي حتى اليوم.
بدأت الحكاية بالنسبة لي يوم 17-12-2006.
في ذلك اليوم تم استدراجي، وانتهى بي الأمر أسيرًا في سجن الرملة. فجأة انتقلت من حياتي الطبيعية، ومن أهلي وبلدي وشوارعي التي أعرفها، إلى عالم آخر تحيط به القضبان والأبواب المغلقة.
وأنت في السجن، يصبح للوقت معنى مختلف.
اليوم طويل، والليل أطول، والخبر القادم من الخارج يصبح نافذتك الوحيدة على الحياة التي تركتها خلفك.
وبعد 13 يومًا من أسري، جاء فجر السبت 30-12-2006، أول أيام عيد الأضحى المبارك، ومعه خبر إعدام الرئيس العراقي صدام حسين.
أتذكر ذلك اليوم جيدًا؛ عيد أضحى وأنا خلف القضبان، والعالم كله يتحدث عن حدث كبير هز المنطقة.
مرّ أسبوع واحد فقط.
وفي يوم السبت 6-1-2007، وصلني خبر لم يكن هذه المرة خبرًا عن رئيس أو دولة بعيدة، بل خبرًا من كفر قاسم، من العائلة، ومن البيت.
رحيل ابن خال والدي، عبد الباسط عبد الله سليم طه، عن عمر 31 عامًا.
كان وقع الخبر عليّ كبيرًا، فعبد الباسط، كما عرفه الناس، كان شابًا مسالمًا حسن الأخلاق، محبوبًا بين أهله ومعارفه.
أما أنا…
فكنت أستقبل هذا الخبر من داخل السجن.
وهنا كان الوجع مختلفًا.
أن تسمع أن شخصًا من عائلتك رحل فجأة، وأن تعرف أن أهلك يجتمعون وأن الناس تتوافد إلى بيت العزاء، بينما أنت بعيد عن الجميع ولا تستطيع أن تتحرك خطوة واحدة باتجاههم.
لا تستطيع أن تعانق أهلك.
لا تستطيع أن تقف إلى جانبهم.
ولا تستطيع حتى أن تلقي نظرة الوداع الأخيرة على من رحل.
حينها فهمت أن السجن ليس فقط بابًا حديديًا يُغلق عليك، بل هو أيضًا أن تستمر الحياة خارج الجدران بكل أفراحها وأوجاعها، وأنت لا تملك إلا أن تسمع.
في بضعة أسابيع فقط تبدلت أشياء كثيرة في حياتي:
17-12-2006 دخلت الأسر.
30-12-2006 عشت أول أيام عيد الأضحى خلف القضبان، وفي فجره أُعدم صدام حسين.
ثم جاء 6-1-2007، ليصلني خبر رحيل عبد الباسط.
ومنذ ذلك اليوم مرّ ما يقارب عشرين عامًا.
تغير الكثير، وكبرنا، ومرت علينا أحداث لا تُحصى، لكن هناك مشاهد ومواقف لا ينجح الزمن في إبعادها عن الذاكرة.
وأحيانًا يكفي تاريخ مكتوب على ورقة، أو اسم تسمعه مصادفة، حتى تعود بك الذاكرة إلى المكان نفسه وإلى الشعور نفسه.
واليوم عندما أذكر عبد الباسط عبد الله سليم طه، لا أتذكر فقط ذلك اليوم الحزين، بل أتذكر شابًا كان عمره 31 عامًا فقط، وكانت أمامه حياة كاملة كان من المفترض أن يعيشها.
وأتذكر نفسي في ذلك اليوم خلف قضبان سجن الرملة، أتلقى الخبر ولا أملك سوى الدعاء.
رحم الله عبد الباسط عبد الله سليم طه رحمة واسعة، وغفر له وأسكنه الفردوس الأعلى.
رحل عبد الباسط في 6 كانون الثاني 2007، لكن بعض الراحلين لا يصبحون مجرد ذكرى قديمة.
يبقون جزءًا من حكايتنا… وجزءًا من عمرنا الذي مضى… ووجعًا صامتًا يعود كلما عدنا بذاكرتنا إلى تلك الأيام.

شاهد أيضاً

منطقة الشعب تتحول إلى مكب للنفايات ومخلفات البناء… إلى متى هذا الاستهتار؟!

وصلتنا هذه الرسالة من أهالي منطقة حي الشعب ، ننشرها كما هي – 🚨 منطقة …