مدلين عيسى أم سمير .. «عزيزة الأقصى» ومسيرة بدأت بالرباط ولم تتوقف

ليست كل الحكايات مع المسجد الأقصى تُروى بالكلمات، فهناك حكايات تُكتب بالسنوات، وبالحافلات التي تنطلق قبل الفجر، وبالاعتقالات والإبعادات، وبأناس اختاروا أن يبقى الأقصى حاضرًا في تفاصيل حياتهم مهما كان الثمن.
ومن كفر قاسم تبرز حكاية المرابطة مدلين عيسى، ابنة بنت خال والدي، التي بدأت علاقتها بمشروع الرباط وهي في الحادية والعشرين من عمرها، لتتحول السنوات التالية إلى مسيرة طويلة ارتبطت بالقدس والمسجد الأقصى.
دخلت مدلين مشروع الرباط منذ بداية عام 2014، وكانت تحمل منذ البداية فكرة واضحة: يجب زيادة أعداد الحافلات التي تنقل الناس إلى المسجد الأقصى.
بدأت المبادرة بحافلة صباح كل يوم اثنين تنطلق من كفر قاسم وكفر برا وجلجولية، ثم توسعت الفكرة لتشمل مشروعًا آخر أصبح مع مرور السنوات واحدًا من أبرز المشاريع الجماهيرية في كفر قاسم: حافلات صلاة الفجر في المسجد الأقصى كل يوم جمعة.
واستمر المشروع عامًا بعد عام حتى يومنا هذا، فيما كان المشهد في شهر رمضان مختلفًا ومميزًا؛ عشرات الحافلات كانت تنطلق في ليلة واحدة، وفي بعض الليالي وصل عدد المشاركين من كفر قاسم وحدها إلى نحو ألف شخص من الرجال والنساء والأطفال متوجهين لصلاة الفجر في المسجد الأقصى.
وتقول مدلين إن مشروع الفجر أصبح بالنسبة لها مشروعًا يجمع مختلف أبناء البلد، خصوصًا في شهر رمضان، بعيدًا عن الاختلافات والانتماءات، والوجهة واحدة: المسجد الأقصى المبارك.
وتحرص مدلين على التأكيد أن المندوب والمسؤول الأول عن باصات كفر قاسم هو الشيخ عطا أبو نسيم، الذي تقول إنها تعلمت منه الكثير.

الاعتقال الأول.. ومن هنا جاء لقب «عزيزة الأقصى»
في عام 2015 تعرضت مدلين لأول اعتقال.
وصدر حينها قرار بتمديد اعتقالها تمهيدًا لعرضها على المحكمة في اليوم التالي، إلا أن الأمور أخذت مسارًا مختلفًا بعد وقفة أهل كفر قاسم والإعلان عن مظاهرات احتجاجية، ليتم الإفراج عنها في الليلة نفسها.
وبعد خروجها، شهد مدخل كفر قاسم مظاهرة، وهناك أطلق عليها الشيخ حماد أبو دعابس، الرئيس السابق للحركة الإسلامية، لقب «عزيزة الأقصى».
لقب بقي ملازمًا لها، لكن الاعتقال الأول لم يكن نهاية القصة.
فقد توالت بعد ذلك الاعتقالات وقرارات الإبعاد عن المسجد الأقصى، وفي بعض الفترات عن مدينة القدس أيضًا.
وتروي مدلين أنها اعتُقلت من منزلها مرتين خلال عام 2025، في شهري يونيو ونوفمبر، وصدر بحقها في المرتين قرار إبعاد لمدة ستة أشهر، لتعيش عمليًا عامًا كاملًا من الإبعاد عن المسجد الأقصى.
وبعد هذه الفترة الطويلة، عادت مؤخرًا إلى المسجد الأقصى، لتختصر شعورها بكلمات قليلة تحمل الكثير بالنسبة إليها:
«رجعت على الأقصى.. والحمد لله».
من كفر قاسم إلى نحو 100 مدينة وقرية
مسيرة مدلين لم تقتصر على حافلات كفر قاسم.
فقد عملت مع الحركة الإسلامية القطرية في جمعية الأقصى، وتولت إدارة مشروع مسيرة قوافل الأقصى في البلاد.
وتقول إنها عندما تسلمت المشروع كان عدد البلدات المشاركة محدودًا جدًا، لكن مع المتابعة المستمرة للمندوبين في البلدات، أسبوعيًا أو شهريًا بحسب الحاجة، توسعت المسيرة تدريجيًا.
وعندما أنهت عملها في المشروع، كان عدد المدن والقرى المشاركة قد وصل إلى ما يقارب 100 مدينة وقرية، ضمن نشاط واسع شهد تسيير أعداد كبيرة من الحافلات إلى المسجد الأقصى عبر جمعية الأقصى.
ولأن الارتباط بالأقصى بالنسبة لها لم يكن مقتصرًا على الكبار، أطلقت في كفر قاسم أيضًا مخيم طلائع الأقصى للأطفال، وهو مشروع استمر خمس سنوات وشهد إقبالًا واسعًا.
وفي عام 2016، حملت رسالتها إلى خارج البلاد، وشاركت في ثلاثة مؤتمرات في إيطاليا تناولت نصرة ودعم القدس والمسجد الأقصى.
سنوات تمر.. والوجهة واحدة
منذ أن بدأت مدلين عيسى طريق الرباط وهي في الحادية والعشرين، مرت سنوات كثيرة تغيرت خلالها الظروف، وتعددت الاعتقالات والإبعادات، وتوقفت خطواتها عن دخول الأقصى لفترات، لكنها عادت في كل مرة.
قد يرى البعض حافلة تنطلق قبل الفجر مجرد وسيلة نقل، لكن خلف كل حافلة سنوات من التنظيم والمتابعة والاتصالات، وخلف كل مقعد فيها رجل أو امرأة أو طفل قرر أن يبدأ يومه بالصلاة في المسجد الأقصى.
وهنا تكمن قصة مدلين.
ليست قصتها في لقب «عزيزة الأقصى» وحده، ولا في عدد الاعتقالات أو أشهر الإبعاد، بل في الاستمرار؛ في مشروع بدأ بحافلة، ثم أصبح في بعض ليالي رمضان مشهدًا يضم نحو ألف شخص من أبناء كفر قاسم متجهين في ساعة واحدة نحو القدس.
واليوم، بعد عام كامل من الإبعاد، تعود مدلين عيسى أم سمير إلى المكان الذي ارتبط بجزء كبير من شبابها ومسيرتها.
تعود إلى الأقصى، وتعود معها ذكريات أكثر من عقد من الرباط والحافلات والاعتقالات والإبعاد والعمل المتواصل.
ومنذ البداية وحتى اليوم، بقيت الوجهة واحدة:
القدس.. والمسجد الأقصى المبارك.

شاهد أيضاً

جمعية ضياء العارفين توزّع 75 منحة دراسية بقيمة 300 ألف شيقل

جمعية ضياء العارفين في كفر قاسم وللعام الرابع عشر على التوالي ، توزّع 75 منحة …