من كفر قاسم، حيث تشكّلت البدايات الأولى، انطلقت رحلة البروفيسور نضال سليمان عبد الواحد عيسى أبو سليمان، رحلة لم تكن عادية في مسارها ولا في نتائجها. بدأ تعليمه في مدرسة الغزالي الابتدائية، ثم الإعدادية والثانوية الشاملة في كفر قاسم، قبل أن يغادر في سن الثامنة عشرة إلى إيطاليا حاملًا حلم الطب وشغف المعرفة. هناك التحق بجامعة مودينا، إحدى أعرق الجامعات الطبية في إيطاليا وأوروبا، وتمكّن من إنهاء دراسة الطب واللغة خلال خمس سنوات ونصف فقط، بامتياز لافت، متوَّجًا إنجازه بالحصول على الترتيب الأول على مستوى إيطاليا، في إنجاز نادر يعكس تفوقًا استثنائيًا وإصرارًا لا يلين.
عاد إلى البلاد ليبدأ مسيرته المهنية، فأنهى سنة الامتياز في مستشفى تل هاشومير، ثم تخصّص في مستشفى فولفسون في حولون، حيث برز سريعًا كطبيب جراح متميّز، لفت أنظار إدارة المستشفى بمهارته، ودقته، وقدرته على العمل تحت الضغط. أنهى تخصّصه خلال مدة زمنية قياسية، وواصل دراسة تخصّص داخل التخصّص في جراحة الأمعاء الباطنية المعقّدة، جامعًا بين العلم العميق والتطبيق العملي الدقيق.
بالتوازي مع عمله السريري، بدأ مشواره الأكاديمي في جامعة تل أبيب، وكان له دور محوري في تحضير الامتحان الوزاري لخرّيجي كليات الطب من خارج البلاد، إذ شارك في كتابة أجزاء أساسية من الامتحان وعرضها على لجان مختصة للمصادقة. كما عمل محاضرًا في كلية الطب، واضعًا نصب عينيه هدفًا بالغ الصعوبة: الوصول إلى لقب بروفيسور في الطب، وهو لقب لا يُمنح إلا بعد مسار شاق يجمع بين الجراحة المتقدمة والبحث العلمي الرصين، ونشر مقالات علمية في مؤسسات ومجلات مرموقة، تمرّ عبر لجان محلية ودولية صارمة لتقييم الكفاءة والاستحقاق.
ومن الجدير ذكره أن نيل لقب بروفيسور في جامعة مثل جامعة تل أبيب، المعروفة تاريخيًا بانتمائها للنخبة الأكاديمية الإسرائيلية الأشكنازية، يُعدّ إنجازًا نادرًا جدًا لطبيب عربي، إن لم يكن شبه مستحيل. ومع ذلك، جاء هذا الإنجاز ثمرة سنوات طويلة من الجهد المتواصل، والتضحيات الكبيرة على حساب الصحة، والراحة، والمال، والحياة العائلية.
وفي مراحل مبكرة من مسيرته، تلقّى البروفيسور نضال عروضًا أكاديمية مرموقة من جامعتي هارفارد وكولومبيا في الولايات المتحدة، وهما من أقوى جامعات العالم، إلا أنه اختار البقاء قريبًا من بلده كفر قاسم، مفضّلًا الانتماء والالتصاق بالجذور على بريق المناصب العالمية.
إنسانيًا، لم يحصر علمه داخل جدران المستشفيات، بل أجرى عشرات العمليات الجراحية تبرعًا لوجه الله في مناطق محتاجة في الضفة الغربية وقطاع غزة، لا سيما العمليات المعقّدة لاستئصال أورام سرطانية في الأمعاء، مؤمنًا بأن الطب رسالة قبل أن يكون مهنة.
وإلى جانب كل ذلك، ومن باب الوفاء للهوية والذاكرة، يُعدّ البروفيسور نضال عيسى خبيرًا واسع الاطلاع في تاريخ فلسطين، لا سيما المرحلة التي سبقت النكبة، وتاريخ القرى والبلدات الفلسطينية المُهجَّرة، وطريقة الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي كانت سائدة آنذاك. هذا الاهتمام ليس عابرًا، بل يشكّل إحدى هواياته الأساسية، نابعًا من قناعة راسخة بأن حفظ التاريخ هو جزء من حفظ الإنسان، وأن من يحمل مشرط الجراحة لإنقاذ الجسد، يحمل أيضًا مسؤولية صون الذاكرة والهوية.
عمل البروفيسور نضال في عدة مستشفيات مركزية، منها فولفسون، تل هاشومير، مئير، إلى أن وصل إلى منصب مدير قسم الجراحة في مستشفى هشارون – بيتح تكفا، وهو موقع يعكس الثقة الكبيرة بكفاءته المهنية والعلمية.
كل هذا تحقق وهو في الخامسة والخمسين من عمره، إلى جانب حياة عائلية مستقرة؛ زوج وأب لخمسة أبناء، كبرى بناته طبيبة أسنان، وابنه طالب طب، والثالث يدرس الهندسة الكهربائية، بينما يواصل الابنان الأصغر مسيرتهما التعليمية.
إنها قصة إنسان جمع بين العلم، والإنسانية، والانتماء، فكان نموذجًا يُحتذى، وفخرًا لكفر قاسم والوسط العربي والأمة الأسلامية ، ودليلًا حيًا على أن الطريق الصعب، حين يُسلك بإيمان، يقود إلى قمم لا يصلها إلا القليل.










نبض كفرقاسم Nabd KQ من كفرقاسم… وإليها، بكل نبضة حب وانتماء.