ذكرى لا تموت، الشهيد أحمد ناصر طه، ابن الصف والطفولة الذي غاب في شوارع عمّا

بقلم مصطفى عبد الله صرصور

هناك أشخاص يرحلون عن هذه الدنيا، لكنهم لا يرحلون من الذاكرة…
تمر السنوات، تكبر الوجوه، وتتغير الأماكن، لكن تبقى لهم صورة في القلب كما كانت يوم غابوا؛ ضحكة لا تشيخ، وملامح لا تتغير، وذكريات كلما عادت إلينا أعادت معها وجع الفقد من جديد.
ومن هؤلاء… الشهيد أحمد ناصر طه، ابن كفر قاسم، الذي رحل في عمر الزهور، وهو لا يزال طالبًا في الصف الحادي عشر.
ولد أحمد بتاريخ 25.7.1986، واستشهد بتاريخ 9.12.2002، بعد حادث دهس مأساوي تعرض له خلال رحلة إلى العاصمة الأردنية عمّان في عطلة عيد الفطر.
كان أحمد يومها فتى في السادسة عشرة من عمره تقريبًا… طالب مدرسة يحمل أحلامه أمامه، ولا يعلم أن رحلة العيد التي خرج إليها فرحًا ستكون رحلته الأخيرة.
خرج للفرح… فعاد محمولًا على الأكتاف
بحسب التفاصيل التي رواها والده، الحاج ناصر طه “أبو أحمد”، خرج أحمد في رحلة خلال عطلة عيد الفطر، وكان من المفترض أن تكون أيامًا من الفرح والتجول وصناعة الذكريات الجميلة.
أقاموا في فندق هولدن بجانب حلويات حبيبة في عمّان.
وفي ثالث أيام العيد، قرابة الساعة 11:45 ليلًا، وقعت الفاجعة التي ستبقى محفورة في ذاكرة عائلته وأحبائه ورفاقه.
مقابل حلويات حبيبة في شارع المدينة المنورة، تعرض أحمد لحادث دهس من شاحنة خضار.
ويروي والده أن قوة الصدمة كانت شديدة إلى درجة أن جسد أحمد اندفع إلى الجهة المقابلة من الشارع.
وفي تلك اللحظات القاسية، شاءت الصدفة أن تمر طبيبة من مدينة الناصرة كانت سائحة في عمّان، فرأت أحمد وأسرعت نحوه محاولة إنقاذ حياته وتقديم الإسعافات الأولية له.
كان أحمد لا يزال يتنفس…
كان هناك أمل، ولو كان صغيرًا…
لكن القدر كان أسرع.
وبحسب رواية والده، تعرض أحمد في الجهة المقابلة من الشارع للدهس مرة أخرى، ليفارق الحياة في المكان.
وهكذا، في دقائق قليلة، تحولت رحلة العيد إلى مأساة، وتحول الفرح إلى بكاء، وعاد أحمد الذي خرج في رحلة مع رفاقه… ولم يعد كما خرج.
كان لا يزال في الصف الحادي عشر.
كان أمامه عمر كامل لم يعشه…
سنوات دراسة لم يكملها، وأحلام لم تتحقق، وأيام لم تأتِ، وبيت وأهل وأصدقاء كانوا ينتظرون عودته.
لكن بقي اسمه…
وبقيت صورته…
وبقيت ذكراه حاضرة بعد كل هذه السنوات.
ووفق ما أفاد به والده الحاج ناصر طه “أبو أحمد”، فإن سائق الشاحنة المتسبب بالحادث غادر المكان، ثم سلّم نفسه بعد نحو عام، وقد جرت لاحقًا مراسم صلح بين الأطراف.
واليوم، وبعد مرور كل هذه السنوات، قد تتغير شوارع عمّان وتتبدل معالمها، وقد يمر آلاف الناس من المكان الذي شهد الحادث دون أن يعرفوا قصته…
لكن بالنسبة لعائلة أحمد ورفاقه ومحبيه، هناك مكان في عمّان يحمل ذكرى فتى من كفر قاسم توقف عمره هناك إلى الأبد.
أما أنا، فحين أكتب عن أحمد، لا أكتب عن اسم سمعته أو قصة رُويت لي فقط…
أنا أكتب عن أخٍ وحبيب، وعن ابن صفي ورفيق مرحلة من أجمل مراحل العمر.
أكتب عن الشهيد أحمد ناصر طه، ابن صفي في روضة دار الأرقم وبساتين الغزالي.
كبرنا يا أحمد…
ومرت أعوام طويلة…
وتغيرت الدنيا كثيرًا منذ رحيلك…
لكن صورتك بقيت هناك، في أيام الطفولة، بوجه الفتى الذي لم تمنحه الحياة فرصة أن يكبر معنا.
مؤلم أن يصل الإنسان إلى عمر يتذكر فيه رفيق طفولته، ثم يدرك أن رفيقه ما زال في ذاكرته بنفس الملامح؛ لأن الزمن مرّ علينا جميعًا… إلا عليه.
رحلت صغيرًا يا أحمد، لكن ذكراك كبرت معنا.
وكلما مر اسمك، عادت المدرسة والروضة والوجوه القديمة والطفولة التي لن تعود…
وعاد معها ذلك السؤال الذي لا جواب له:
كيف مرت كل هذه السنوات بهذه السرعة، بينما ما زالت ذكراك وكأنها بالأمس؟
ألف رحمة ونور على روحك الطاهرة، أخي وحبيبي وابن صفي الشهيد أحمد ناصر طه.
رحمك الله رحمة واسعة، وجعل شبابك الذي لم تكمله في الدنيا شبابًا خالدًا في جنات النعيم، وجعل قبرك روضة من رياض الجنة، وأنار لك فيه إلى يوم تبعث.
اللهم اربط على قلب والده الحاج ناصر طه “أبو أحمد”، ووالدته وأهله وإخوته وأحبابه، واجمعهم به يومًا في دارٍ لا فراق فيها ولا حوادث ولا دموع ولا وداع.
نم قرير العين يا أحمد…
فقد مرّت السنوات، لكن أصحاب القلوب الصادقة لم ينسوك.
25.7.1986 — 19.12.2002
رحل الجسد…
وبقي أحمد في الذاكرة.
الفاتحة على روحه الطاهرة. 🤲🖤

شاهد أيضاً

بهمش العروس موش متدينة -الشيخ وليد فريج

بهمش العروس موش متدينة.كلمة تسمعها من النساء أحيانا ،تعليقا على عرس فلانة أو علانة .كلمة …