من يعرف التاريخ فهو إنسان حر (كفر قاسم)
ولا يزال تاريخ كفر قاسم يلهم الحاضر حتى اليوم. لقد ورد ذكر كفر قاسم في عدة مجموعات واسعة، منها العربية والفلسطينية، والتي تتناول مختلف جوانبها من تأسيسها وتراثها العمراني وبقايا ما تبقى من معالم أثرية في شتى أنحاء البلدة من فترات وعقود سابقة، منها الكنعانية واليونانية والرومانية والبيزنطية والحقبات الإسلامية المتعددة، إلى مجزرتها التاريخية المروعة التي راح ضحيتها ٤٩ شهيدًا والذين قتلوا بدم بارد.
نرمز نوعًا ما في كتاباتنا هذه وبحثنا القيم والبسيط إلى حقب تاريخية عابرة مرت بها كفر قاسم ومحيطها وما يحدها. فهنالك انتقادات حادة متعلقة بالسياق التاريخي وسرده، خاصة فيما يتعلق بالحفريات المقامة في منطقة النبي حتى طريق الخرقان. فالسرديات التاريخية العينية من كتابات على الفسيفساء وما كشف هناك من مغائر وغرف دفن تحت الأرض وقبور شمسية سماوية ومغاطس استحمام وبقايا أبنية وزخارف فنية وفسيفساء أرضية على شتى صورها تدل قطعًا أن هذا الموقع وهذا العمل لا يمت بأي صلة لفئة أو إلى جماعة دينية معينة كما يدّعون أنه (سامري). نعم، يكون هناك أحيانًا تفاوت في التفسيرات والآراء، وهذا أمر طبيعي في التنقيب والأبحاث حيث تتغير النظريات مع الاكتشافات الجديدة، وهذا ما نحاول إثباته.
فالباحثون والأفراد والمجتمعات المحلية قد يرون أن بعض النظريات أو الروايات الرسمية لا تعكس كل الجوانب التاريخية بشكل كامل أو حيادي. وهذا ما حصل خلال التنقيب في ذلك الموقع الأثري في كفر قاسم. فمن الحكمة أيضًا دائمًا الاطلاع والنظر إلى نتائج التنقيب الأثري وربطها بعدة مصادر وأبحاث مستقلة، والمقارنة بين الآراء والمفاهيم المختلفة لفهم أعمق وأكثر شفافية وتوازن، كي لا تُزوّر الحقيقة. فالكثير قد شككوا في حيادية التقارير الأثرية الرسمية ولجأوا إلى مصادر بديلة أو دراسات أكاديمية مختلفة أو حتى شهادات من مجموعات بحث غير حكومية. فهذا شيء طبيعي والقيام به ضروري لكي نصل إلى الحقيقة.
فنرى من النقاط الأساسية التي اعتمد عليها المنقبون في موقع الحفريات في البلدة لإثبات أن الموقع سامري غير مؤكدة، كونها لا تمت لأي صلة بالطائفة السامرية. ومن ضمن هذه النقاط نذكر ٣ عناصر أساسية: المغاطس، والحمامات، والكتابات المدونة على الفسيفساء الأرضية.
المغائر وغرف الدفن الأرضية والقبور الشمسية السماوية التي كشفت هناك، والكتابة الأرضية التي ظهرت على الفسيفساء، والنقش اليوناني الذي يرمز إلى الطابع الاجتماعي للموقع، والمدونات التي اكتشفت على الفسيفساء والتي تعبر عن تبعية ثقافية واجتماعية لجماعات سكنت هناك، ليست لطائفة معينة كما ورد في التنقيب الأخير. بغض النظر عن معنى الكلمات التي اكتشفت هناك، فهي أولًا تعود إلى اللغة اليونانية القديمة. وهنا لا بد من الذكر أن طائفة السامريين كان لهم لغتهم التي استخدموها قديمًا، والتي يسمونها العبرية القديمة أو اللهجة السامرية، أي بلهجة مختلفة. فكيف لهم أن يستعملوا لغة أخرى إذا كانت هذه لغتهم الدينية المتبعة أيضًا في حياتهم الاعتيادية اليومية وفي معاملاتهم الخاصة والعامة؟ هذه من أهم النقاط التي يجب التركيز عليها.
وأيضًا يجب التطرق إلى نقطة مهمة، ألا وهي برك الاستحمام والغطس التي كشفت في الموقع نفسه. فهذه البرك لا تمت إلى جماعة دينية معينة، فعلى مر العصور كانت تعد من المعالم المهمة في الحياة الاجتماعية والدينية أحيانًا في شتى الحضارات القديمة، ومنها الوثنية للعبادة أو للنظام والاسترخاء. فبعض هذه المغاطس والحمامات كانت لها طقوس مرتبطة بعبادة الآلهة المتعددة في شتى الحقبات الوثنية حسب موقعها ومكانها. فلا يمكن الجزم المطلق بأنها سامرية، فقد مرت حضارات كثيرة على مر التاريخ استعملت مثل هذه المغاطس والبرك بأشكال وأحجام مختلفة!
وكدليل قاطع يثبت ويفند ادعاءاتهم أيضًا أن كل المقابر والقبور وغرف الدفن التي تم الكشف عنها بتصميماتها وطرق الحفر والطقوس الجنائزية المستعملة آنذاك كانت مزيجًا من التقاليد اليونانية الهلنستية والتقاليد المحلية والشرقية البيزنطية، متأثرة بالموقع الاجتماعي، وغالبًا ما يكون الدفن في مقابر وغرف. وهذا ما رأيناه في الموقع مع وجود رموز جنائزية وما شابه. وقد كشف أيضًا بوضوح الفرق الاجتماعي والسياسي بين بعض المقابر؛ فمنها ما كان قبورًا (سماوية) قد تكون خصصت للنخبة الاجتماعية، وأخرى مقابر عائلية بنيت في مواقع بارزة في الموقع، بتصاميمها وميزاتها، كشفت لنا تلك الحقبة الزمنية وبداية الإقامة والعيش في هذا الموقع.
والسؤال المطروح هنا: لماذا تم إخفاء عدة مقتنيات أثرية في الموقع ولم يتم نشر صورها، مثل القطع النقدية المعدنية والأواني الفخارية وتابوت جنائزي مزخرف عليه كتابات ومصنوع من البرونز؟! فلماذا لم يتم الكشف عنها من قبل المنقبين؟
من هنا يتضح بلا أدنى شك أنه لا يوجد أي توافق أو تطابق، ولا توجد أي صلة من أي نوع كان بين ما وجد في التنقيبات الأثرية وبين ما يدّعون.
بـاحترام: فراس عبدالله داوود جبريل عيسى
نبض كفرقاسم Nabd KQ من كفرقاسم… وإليها، بكل نبضة حب وانتماء.