الشهيد الطفل عبد الله (طلال) شاكر عيسى بقلم الكاتب أحمد الحامد

.عبد الله… طفلٌ ضاحك، لم يُكتب في دفتر عمره سوى إحدى عشرة سنة، ثم طُويت إلى الأبد. خرج ليلعب ويمرح أمام بيته في ذلك اليوم المشؤوم، 29 تشرين الأول 1956، مستغلًا ما تبقّى من النزاع الأخير لذلك النهار. كان ذلك في آخر ربع ساعة من عمره، وبداية مخاضٍ لميلاد ليلةٍ سوداء، حفرت أحداثها في ذاكرة أبناء كفر قاسم حتى يومنا هذا، وخلّدتها نصبٌ تذكارية صارخة، تصرخ بأعلى صوتها: “الخزي والعار لقاتلي الأطفال.”

أراد الطفل عبد الله أن يلعب قدر ما يستطيع قبل أن يحلّ الظلام. في يده كسرة خبزٍ دهنها بالزيت، فهو الطعم الوحيد الذي يعرفه لسانه. فالفقر لم يسمح لأطعمة أخرى أن تقترب من فمه الصغير.

يقضم عبد الله قضمةً بحجم فمه، ثم يتابع جريه الدائري المحدود أمام البيت، وكأنه يخشى الضياع إن ابتعد عن فتحة الباب. لكن دشداشته الطفولية تحدّ من حركته، لا بسبب ما تحمله من أوساخ وغبار الأرض—فهي متاعب صديقة، تعوّد عليها وتعودت عليه، وأصبحت جزءًا لا يتجزأ منه—بل لأن جسده أصبح أكبر من حجمها، فقد ورثها عن أخيه الأكبر، فضاقت عليه.

يتوقف مرة أخرى، يغرس أسنانه الصغيرة في طرف كسرة الخبز، ثم يعاود الجري… جريٌ دائري، تارةً يسرّع وتيرته، وتارةً يبطئها، كأنه يسرق من الزمن لحظاته الأخيرة قبل أن تغيب الشمس ويحلّ الظلام، فيضطر إلى ترك اللعب والعودة إلى فراشه، غير المشبع بجسده لعبًا.

كانت عقارب الساعة تقترب من الخامسة. لم يكن يعلم عبد الله أن هذه الساعة هي “ساعة الصفر”، بداية حصاد الأرواح على يد سفّاحين أحكموا سيطرتهم على حارات وأزقة القرية الصغيرة، وعلى مدخليها الغربي والشرقي. تفرّقوا على شكل مجموعات، كل منها مكوّنة من أربعة أفراد، مدجّجين بأسلحة أوتوماتيكية. ولم يكن يعلم أن روحه الطاهرة ستكون أول من يرتفع إلى السماء، لتعانق الشمس قبل مغيبها.

فجأة، توقّف عبد الله عن اللعب، متسمّرًا في مكانه. عيناه البريئتان لمحتا أربعة أشباح في طرف الشارع. أشكالهم متشابهة، يحملون بنادق، ومنظرهم يوحي بالرعب. توجّهوا نحوه، فأصاب قلبه الوجل.

نظر أحدهم إلى ساعته، وقال للآخرين: “بقيت خمس دقائق لساعة الصفر… وسيستحمّ هذا الطفل القذر بدمائه.”

لم يفهم عبد الله لغتهم العبرية، لغة قتل الأطفال الأبرياء بدمٍ بارد. أخذ يعصر عقله الصغير، لعلّه يجد تفسيرًا لهذا المشهد الغريب.

كان باب البيت خلفه، يبعد أمتارًا قليلة. هل يهرب؟ أم يبقى؟ هل يترك المنظر الغريب ويلوذ بالأمان، كما يفعل الأطفال؟ أم تدعه براءته تغلب على خوفه، فيبقى يراقب؟

ظنّ عبد الله أن ما يحملونه في أيديهم ليس سوى ألعاب. ربما سيستلطفونه، ويهدونه واحدة منها. لم يخطر بباله أن “الهدية” ستكون طلقة نارية من فوهة بندقية، تقرّبه من الشمس التي يخشى مغيبها.

اقتربوا منه بمحاذاة. نظر إليهم، والابتسامة البريئة تعلو ثغره الصغير، ماضغًا ما تبقّى من كسرة الخبز. توقّفوا لحظة، رمقوه بأعينٍ باردة، أصابته بالوجل. وبحركة طفولية، مدّ إليهم بذراعه التي تحمل كسرة الخبز، كأنه يدعوهم لمشاركته الطعام. فهذا كل ما يملكه ليكرمهم به، ويكسب مودّتهم.

تبسّم أحدهم ابتسامة صفراء، مستغربًا من حال هذا الطفل الذي يجهل ما ينتظره بعد دقائق. حزن عبد الله حين رآهم يواصلون سيرهم، دون أن يمنحوه “اللعبة” التي ظنّها هدية. لكن الحزن خالطه فرحٌ خفي، إذ ظنّ أن الخطر قد زال، وأن نظراتهم المريبة قد انطفأت.

ابتعدت الأشباح عنه أمتارًا قليلة. نظر صاحب الساعة إليهم، ثم أعلن: “لقد بدأت ساعة الصفر.”

التفّوا فجأة نحو عبد الله، وصوّبوا “ألعابهم النارية” نحوه. وفي اللحظة ذاتها، رفع عبد الله كسرة الخبز في اتجاههم، لكن هذه المرة لم تكن من أجلهم، بل من أجل تسعةٍ وأربعين ملاكًا ظهروا في الأفق، يتقدّمهم ملاك الموت، ليحجبوا ما تبقّى من شعاع الشمس.

في تلك اللحظة، كان عبد الله، رغم صغر سنه، أقوى منهم ومن أسلحتهم. لقد بدأت مرحلة جديدة في حياته: مرحلة الشهادة. لم يعد يرى السفّاحين، ولم يعد لهم وجود في حياته. فهو الآن حيٌّ يُرزق عند الله.

رفع عبد الله ذراعه التي تحمل كسرة الخبز، وقال للملائكة: “أنا هنا… أنا من تبحثون عنه.”

وما إن لمحته الملائكة، حتى أمطرته الأشباح بوابلٍ من الرصاص، اخترقت جسده النحيل، وفجّرت منه ينابيع دمٍ زكيّ، صبغت دشداشته البيضاء المغبرّة بلونٍ أحمر، أضفى عليها لمسة جمالٍ أخير.

سقطت كسرة الخبز على الأرض، لكن ابتسامته بقيت مرتسمة على شفتيه.

كانت لوحةً جميلة، رسمتها أربعة أشباح، من على بُعد أمتار، للشهيد الطفل عبد الله. ريشتهم: بنادق أوتوماتيكية. ألوانهم: الأبيض، لون دشداشته. الأخضر، لون الزيت على كسرة الخبز. والأحمر، لون دمائه الطاهرة.

سكبوا هذا اللون بغزارة، ليستحمّ عبد الله به.

وها نحن، أهلك يا عبد الله، مصرّون أن نضيف كل عامٍ إلى ذكراك لونًا آخر: الأسود. هذه الألوان، جعلناها من أجلك يا عبد الله… ألوان علم فلسطين.

فهنيئًا لك، أيها الشهيد.

شاهد أيضاً

مشاركة عن نقوط العرس – الشيخ وليد فريج

خايف يطلع نقوط العرس بالآخر حرام.كله مخاجله وحرج.هو هدية ولا قرض ودين.لساتكم تحكو عن نقوط …