بين الثبات والاندماج: هواجس البقاء وأسئلة المستقبل – الدكتور عزيز بدير

في الأزمنة العادية، تستطيع الشعوب أن تختلف في الوسائل وأن تتباين في الرؤى دون أن تشعر بأن وجودها ذاته موضع اختبار. أما في الأزمنة الاستثنائية، فإن كل سؤال سياسي يتحول إلى سؤال وجودي، وكل خلاف في الوسائل يصبح نقاشًا حول المصير. ومن هذا المنطلق، يجد المجتمع العربي في إسرائيل نفسه اليوم أمام مرحلة هي من أكثر المراحل تعقيدًا وحساسية منذ عقود، في ظل تصاعد موجات العنصرية، واتساع الخطابات الإقصائية، وتنامي الأصوات التي تنظر إلى العربي بوصفه عبئًا أو خصمًا أو مواطنًا منقوص الحقوق.
لقد اعتادت الأقليات عبر التاريخ أن تواجه تحديات متنوعة، إلا أن الخطر الحقيقي يبدأ حين تنتقل العنصرية من هامش المجتمع إلى متنه، ومن خطاب الأفراد إلى خطاب المؤسسات، ومن المواقف العابرة إلى ثقافة عامة تسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين الأغلبية والأقلية. وعندما يصبح التحريض مقبولًا، ويُنظر إلى التمييز بوصفه أمرًا اعتياديًا، فإن القضية تتجاوز حدود الخلاف السياسي لتلامس جوهر العدالة الإنسانية ومعنى المواطنة نفسها.
وفي خضم هذه التحولات، يقف المجتمع العربي أمام سؤال بالغ الأهمية: كيف يمكن الحفاظ على الوجود والهوية والحقوق في مواجهة هذه التحديات المتعاظمة؟
لقد نشأ داخل مجتمعنا تياران رئيسيان، لكل منهما منطقه ومبرراته ورؤيته للمستقبل.
أما التيار الأول، فيرى أن المرحلة الراهنة تستوجب التشبث بالثوابت الوطنية والتاريخية، والتمسك بالأرض والهوية والذاكرة الجماعية باعتبارها عناصر لا يجوز التفريط بها تحت أي ظرف. ويؤمن أصحاب هذا التوجه بأن بقاء العرب في وطنهم، رغم كل ما مرّ عليهم من محن وتحديات، لم يكن صدفة تاريخية، بل ثمرة صمود طويل وإيمان عميق بحقهم الطبيعي في العيش على أرض آبائهم وأجدادهم. ولذلك فإنهم ينظرون بعين الريبة إلى كل مشروع قد يؤدي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى تآكل الهوية أو إضعاف الانتماء أو تحويل الإنسان إلى مجرد رقم في معادلة سياسية متغيرة.
أما التيار الثاني، فيعتقد أن التحديات لا تُواجه بالانغلاق، بل بالحضور الفاعل في مختلف دوائر التأثير. ويرى أن الاندماج في مؤسسات الدولة، والانخراط في الاقتصاد والتعليم والأكاديميا ومراكز صنع القرار، يشكل أدوات ضرورية للدفاع عن الحقوق وتحسين الواقع المعيشي وانتزاع المكانة التي يستحقها المواطن العربي. ويعتبر أن الغياب عن مواقع التأثير لا يخدم إلا أولئك الذين يسعون إلى تهميش العرب وإبقائهم خارج دائرة الفعل والتأثير.
غير أن الإشكالية الكبرى لا تكمن في وجود هذين التيارين، فالتعددية الفكرية ظاهرة صحية في كل مجتمع حي، وإنما تكمن في تحويل الاختلاف بينهما إلى صراع داخلي يستنزف الطاقات ويشتت الجهود. فالمجتمع الذي يواجه تحديات خارجية جسيمة لا يملك ترف الانقسام حول الأهداف الكبرى، بل يحتاج إلى البحث عن القواسم المشتركة التي تجمع أبناءه تحت مظلة واحدة.
إن الحفاظ على الهوية لا يتناقض مع السعي إلى التأثير، كما أن الاندماج لا ينبغي أن يتحول إلى ذوبان. فليس المطلوب أن يختار الإنسان بين جذوره ومستقبله، ولا بين انتمائه ومشاركته، بل المطلوب أن يجمع بين الأمرين في معادلة متوازنة تحفظ الكرامة وتعزز الحضور.
لقد أثبتت تجارب الشعوب أن الأقليات التي حافظت على لغتها وثقافتها وذاكرتها، وفي الوقت ذاته شاركت بفاعلية في بناء مجتمعاتها، كانت أكثر قدرة على حماية حقوقها وصيانة وجودها. أما المجتمعات التي استغرقتها صراعاتها الداخلية، فقد أهدرت فرصًا تاريخية وأضعفت قدرتها على مواجهة التحديات الخارجية.
ومن هنا، فإن المسؤولية الوطنية تقتضي الارتقاء فوق الحسابات الضيقة والانقسامات الفئوية، والنظر إلى المستقبل بعين الحكمة لا بعين الخصومة. فالمعركة الحقيقية ليست بين أبناء المجتمع الواحد، وليست بين المحافظين على الهوية والداعين إلى الاندماج، بل هي معركة من أجل الكرامة والمساواة والعدالة والاعتراف الكامل بحق الإنسان العربي في أن يعيش آمنًا حرًا معتزًا بهويته، ومتساويًا في حقوقه وواجباته.
إن الأمم لا تُهزم حين تواجه التحديات، وإنما تُهزم حين تفقد بوصلتها. وبوصلة مجتمعنا يجب أن تبقى ثابتة نحو حماية الوجود، وصيانة الهوية، وترسيخ قيم الوحدة والتكافل، وبناء مستقبل يليق بأبنائنا وأحفادنا. فالأرض التي حفظت أسماء أجدادنا عبر القرون تستحق منا أن نحفظ عهدها، وأن نورث أبناءنا ليس مجرد ذكريات عنها، بل القدرة على البقاء فيها بكرامة وعزة وثقة بالمستقبل .

شاهد أيضاً

رسالة من مدرب سباحة: آن الاوان لبناء بركة سباحة في كفرقاسم

سلام عليكم مصطفى، يعطيك العافية. أنا بتابع اهتمامك بالرياضة وشباب وأولاد كفر قاسم، وبشوف متابعتك …