دكان “أبو ناصر” بقلم الكاتب احمد الحامد زوياني

هذا الدكان لم تكن مساحته سوى تسعة أمتار مربعة، ولم يحتوِ داخله إلا على بعض السلع الضرورية كعلب السردين، أو بضعة كيلوغرامات من الملح والسكر. وقليلاً ما تواجد على بابه صندوق بطاطا أو بندورة.

وكما قال الأديب الفلسطيني إميل حبيبي عندما زاره في حارة “المنشية”، إحدى حارات كفر قاسم في ستينات القرن الماضي: “يا أبا ناصر، يمكن وضع كل محتويات دكانك في عقدة قماش أحملها على ظهري.”

لحظة… لحظة… قلتَ: الأديب إميل حبيبي يزور دكان أبي ناصر؟!

كي لا يدخل القارئ في حيرة من هذه الجملة الإخبارية، عليّ أن أوضح الأمر. إذًا، هكذا: من هو أبو ناصر كي يزوره إميل حبيبي؟

إنه علم ورمز من أعلام ورموز النضال الفلسطيني في ستينات القرن الماضي. استطاع بإخلاصه لوطنه أن يحمل راية مجزرة كفر قاسم ويفضح الجلادين. ورغم قساوة الحكم العسكري، من استعمال العنف ضده والاعتقال والنفي والتحقيق المضني، إلا أنه جمع من حوله شبابًا مناضلًا لا يهابون الموت، ولا يهابون تعسف الحاكم العسكري في تلك الحقبة المقيتة.

إنهم الرعيل الأول، من أصرّ على إحياء ذكرى مجزرة كفر قاسم: صالح خليل. عيسى أبو الوليد، محمد داوود طه، باتريس، عبد الله داوود عيسى… عددهم لم يتجاوز الرقم الأحادي.

هؤلاء المناضلون، بزعامة أبي ناصر (عمر العصفور)، استطاعوا أن يداوموا على إحياء ذكرى تلك المجزرة حتى أوصلوها إلى يومنا هذا.

دكان “أبو ناصر” كان مقر اجتماعاتهم، وكان الحرم الجامعي الذي خرّج الوطنيين والشرفاء. كان مسرحًا لأحداث دوّنها المؤرخون.

لم يبع دكان “أبو ناصر” بندورة أو سردين فحسب، إنما باع الكرامة والشهامة وعشق الوطن. باع الضمير الحي، رغم ترقّب أعين الجواسيس ليلًا ونهارًا.

دكان “أبو ناصر” ذكره المؤرخون، واطّلعوا على محتوياته المادية التي تؤرّخ مقتنياته المعنوية. رايات رُفعت في الذكرى الأولى للمجزرة، وما تلاها من ذكريات، محفوظة في هذا الدكان. آلاف الوثائق الصادرة في تلك الحقبة، كمناشير أُصدرت في كل المناسبات الوطنية، تُعرض في دكان “أبو ناصر”. مذكرات ومخطوطات توثّق الوضع البائس الذي مرّت به كفر قاسم، خطّها بيده.

وكما زاره إميل حبيبي، أحد رموز الوطن في تلك الحقبة، زاره أيضًا الحاكم العسكري، لكن زيارات اعتقال وتحقيق وتعذيب.

ومن أبرز حكايات دكان الانتماء والكرامة، قصة الشريط الأسود.

في الستينات، وقبل موعد الذكرى بيوم، كان الرعيل الأول يقوم بتجهيز الشريط الأسود الذي يُعلّق على أطراف شارع الفلماية الترابي.

وكان الدكان الوحيد الذي يبيع الأقمشة هو دكان سيدي ذياب الحمد (أخو سيدي الشيخ ذيب، أبو أمي، وله ابن شهيد هو موسى).

ذهب محمد داوود طه لشراء بضعة أمتار من القماش الأسود من هذا الدكان، فتفاجأ المناضل محمد بأن القماش غير موجود. السبب؟ أن دانكور، الحاكم العسكري، صادر القماش وهدّد سيدي ذياب بعقاب شديد إن باع هذا القماش للمناضلين.

عاد محمد داوود إلى مدرسة الانتماء… إلى الدكان، وأخبرهم بهذه المعضلة.

ماذا سيفعلون؟ غدًا موعد الذكرى، ويجب أن يُعلّق الشريط، فهو رمز المجزرة.

انتصب المناضل أبو ناصر ليعلن للرعيل الأول أن الحل متوفّر. أمرهم أن يُحضر كل فرد منهم سروال زوجته. وكان اللون الدارج في ذلك الوقت لسراويل النساء هو اللون الأسود.

تم قصّ السراويل وخياطتها على يد أم ناصر في تلك الليلة، وتم تعليق الشريط متأخرًا بعد إنجازه.

أيُسمّى هذا دكانًا؟ أم يُسمّى جامعة الانتماء؟

المرحوم أبو ناصر (1938–2018م). رحمك الله أيها المناضل عمر العصفور، ورحم كل زملائك الذين شاركوك مشوار النضال، وأطال الله عمر من بقي في هذه الحياة. إلى جنات الخلد مع الأنبياء والصديقين الأبرار.

شاهد أيضاً

مشاركة عن نقوط العرس – الشيخ وليد فريج

خايف يطلع نقوط العرس بالآخر حرام.كله مخاجله وحرج.هو هدية ولا قرض ودين.لساتكم تحكو عن نقوط …