صلاة قابيل ودم الموؤودة ! محاولة متواضعة لطرق الخزان : حين تُدان الضحية ويُبرَّأ العنف – مزهر بدير

صلاة “قابيل”.. ودم الموؤودة ! محاولة متواضعة لطرق الخزان : حين تُدان الضحية ويُبرَّأ العنف
القتل لا يولد من فراغ، ولا يخرج من ثوب امرأة، ولا من شكل حياتها، ولا من نجاحها. القتل يولد من نفس مريضة، من عقل يبرر العنف، ومن مجتمع تعوّد أن يفتّش في الضحية قبل أن يسأل عن الجاني.
أخطر ما في هذه الحوادث ليس الجريمة وحدها، بل تحويل الجريمة إلى درس أخلاقي ضد المقتولة. حين يبدأ الناس بسؤال: ماذا كانت تفعل؟ كيف كانت تلبس؟ مع من كانت تختلط؟ فإنهم لا يشرحون الجريمة، بل يشاركون في صنعها من جديد.
المرأة الناجحة لا تُقتل لأنها ضعيفة، بل كثيرًا ما تُستهدف لأنها قوية. نجاحها يوجع من لا يحتمل رؤيتها مستقلة، حرة، وصاحبة قرار. لذلك تصبح حياتها في نظر بعضهم تهديدًا يجب إسكاتُه، لا إنجازًا يجب احترامه.
الدين لا يُستدعى ليُدين المرأة، بل ليهذب النفس ويمنع الحسد والضغينة والاعتداء. من يستخدم النصوص ليغطي على الكراهية أو يجمّل القسوة، فهو يسيء للدين قبل أن يسيء للناس.
المشكلة ليست في أن الفتاة نجحت، أو درست، أو عملت، أو صنعت لنفسها مكانة. المشكلة في مجتمع يربّي بعض أفراده على أن المرأة الجريئة تستحق العقاب، وأن الحرة المتقدمة يجب أن تُكسر حتى لا تصبح مثالًا لغيرها. الغيرة حين تتحول إلى حقد، والحسد حين يتحول إلى قرار، يصبح الإنسان قادرًا على قتل أخيه أو أخته أو أي نفس ضعيفة أمامه. وهنا تكمن الفجيعة الحقيقية: أن تتحول المشاعر المريضة إلى مبررات اجتماعية ودينية ظاهرها الفهم وباطنها الفساد.
من يفرح بسقوط المرأة الناجحة لا يكرهها وحدها، بل يكره الصورة التي تكسر داخله عجزه القديم. هو لا يعارض سلوكها بقدر ما يعارض حريتها، ولا ينتقدها بقدر ما يعجز عن احتمال أنها سبقتْه.
العدالة تبدأ يوم نتوقف عن جلد الضحية. لا يجوز أن تبقى المقتولة متهمة حتى وهي في قبرها، بينما يخرج الجاني من دائرة السؤال. من يفكر بهذه الطريقة لا يحمي المجتمع، بل يشرعن قسوته ويطيل عمر الجريمة.
المرأة ليست سبب خراب المجتمع، بل كثيرًا ما تكون أول من يدفع ثمن خرابه. وعندما يصبح نجاحها ذريعة للاتهام، فهذا يعني أننا لا نحاكم أفعالها، بل نحاكم وجودها نفسه.
ما نحتاجه ليس مزيدًا من الكلام عن “سمعة” المرأة، بل مزيدًا من الكلام عن ضمير الرجل، وعن قسوة المجتمع، وعن تلك العيون التي لا ترى في المرأة إلا خطيئة محتملة أو خصمًا يجب التخلص منه.
الإعلام حين يدخل على هذه القضايا لا يكتفي بنقل الخبر، بل قد يتحول إلى محكمة ميدانية ضد الضحية. يختار من التفاصيل ما يخدم السردية الجاهزة، ويضخم ما يثبت التهمة عليها، ثم يترك الجاني في الظل كأنه مجرد تفصيل ثانوي.
وهكذا يُستثمر مصير الضحية لتأكيد الكلام نفسه الذي يردده بعض الشيوخ والوعاظ والمتشددين: أن المرأة هي أصل الفتنة، وأن حريتها سبب البلاء، وأن نهايتها كانت “متوقعة” لأنها خرجت عن القالب الذي يريدونه لها. بهذا الشكل لا يعود الإعلام ناقلًا للحدث، بل شريكًا في ترسيخ الفكرة، وتثبيت الوصمة، وإعادة إنتاج العنف بثوب أخلاقي.

شاهد أيضاً

مشاركة عن نقوط العرس – الشيخ وليد فريج

خايف يطلع نقوط العرس بالآخر حرام.كله مخاجله وحرج.هو هدية ولا قرض ودين.لساتكم تحكو عن نقوط …