يتجدّد خطاب فلسطينيي الدّاخل السّياسي، كلّ دورةٍ انتخابيّةٍ جديدةٍ للكنيست الإسرائيلي. والخطاب هذا عادةً غير موحّدٍ ولا متجانسٍ، بل هو مختلفٌ مع تنوّع الطّيف السّياسي والحزبي والأيديولوجي، وينقسم إلى نوعين أساسيّين.
النّوع الأوّل، المشارك في انتخابات الكنيست تصويتًا وترشيحًا ويمثّله تيّاران، تيّارٌ ذات خطابٍ مدنيٍّ مطلبيٍّ خدماتيٍّ، يتبنّى نهج المشاركة في العمليّة السياسيّة الإسرائيليّة بكلّ تفاصيلها بما فيها المشاركة في الحكومة وليس الكنيست فقط، وآخر ذات خطابٍ مدنيٍّ وخدماتيٍّ، ولكنّه ذات خطابٍ وطنيٍّ أيضًا داعمٍ للحقوق الشّرعيّة للشّعب الفلسطيني، ويتحفّظ على المشاركة في أيّ حكومةٍ إسرائيليّةٍ، ولا يمانع أتباعه في تشكيل شبكة أمانٍ لأيّ حكومةٍ تتماهى مع مصالح المجتمع العربيّ في الدّاخل وحقوق الشّعب الفلسطينيّ.
أمّا النّوع الثّاني، فهو خطاب تيّار المعارضين للمشاركة في الانتخابات الإسرائيليّة، تصويتًا ولا ترشيحًا، ويتبنّى خطاب المحافظة على الثّوابت الدّينيّة والوطنيّة، داعيًا للوحدة الوطنيّة والشّراكة مع كلّ مركّبات لجنة المتابعة في العمل الشّعبي والميداني والنّضال السّلمي، في مواجهة الغطرسة الإسرائيليّة.
تُعدّ المشاركة في الانتخابات البرلمانيّة في الظّروف الطّبيعيّة مسألةً لا خلاف عليها، بل ذروة العمل السّياسي ووسيلةً ضروريّةً لفرز القيادة السياسيّة المنتخبة لإدارة شؤون الدّولة، وإلّا أصبحت دولةً فاشلةً، وهذا مردوده سلبيٌّ على المصلحة العامّة أيضًا. أمّا انتخابات الكنيست فتختلف كليّةً عمّا سلف، فالمؤسّسة الممثّلة لها أقيمت بالقوّة على حساب حقوق شعبٍ آخر هو الشّعب الفلسطيني.
إنّ الثّابت في السّياسة الإسرائيليّة هو حتّى وإن شارك العرب في العمليّة السّياسيّة جزئيًّا أو كلّيًّا، سيبقون غير متساوين مع المواطنين اليهود، لا خدماتيًّا ولا وظيفيًّا، ولا سياسيًّا ولا قانونيًّا، وإنّما هامشيّون في سيرورة المجتمع الإسرائيلي وسرديّة الدّولة اليهوديّة. وتكمن، هنا، مخاطر الانزلاق لأحزابٍ عربيّةٍ، قد تتعرّضٌ لخطر التّماهي مع خططٍ ومشاريع وميزانيّاتٍ وقوانين ومبادئ، ممّا يُطرح داخل أروقة الكنيست، تتعارض مع أجندة
مجتمعنا وثوابتنا الدّينيّة والوطنيّة، وحتى الأخلاقيّة. وينطبق على خطاب هذا التيّار من فلسطينيي الدّاخل، الخطاب الحقوقيّ أو المطلبيّ، ما يذكّر بظواهر تاريخيّةٍ مشابهةٍ في الجّزائر، مثلًا، استعملها الاستعمار الفرنسي مع الحراك الوطني الجزائري في الثّلاثينات والأربعينات من القرن العشرين، عندما أقحم الفرنسيّون قادة الحراك في العمليّة السّياسيّة والمشاركة في الانتخابات، والتفاوض مع الفرنسيّين على الحقوق المدنيّة والمطلبيّة، وتهميش الواجبات الوطنيّة، ثم تنكّروا لكلّ ما اتّفق عليه معهم، ممّا أضرّ بالعمل الوطني الجزائريّ حينذاك.
أمّا التيّار الرّافض المشاركة في الانتخابات الإسرائيليّة، فنظرته للأمور تختلف عن الطّرح والنّهج الحقوقيّ والمدنيّ، ولا يرى في الكنيست إلّا أداةً تشريعيّةً للسّياسات العنصريّة للمؤسّسة الإسرائيليّة، والأدلّة بالعشرات في سنّ قوانين فاشيّةٍ وعنصريّةٍ في حقّ الفلسطينيين ككلٍّ، مثل قانون القوميّة، والإعدام، وكامينتس، والنّكبة وغيرها كثير. أدرك أتباع هذا النّهج مبكّرًا مآلات المشاركة السّياسيّة بكلّ تفاصيلها ودهاليزها، وسياسات الحكومات الإسرائيليّة المتعاقبة المتمثّلة في سياسة العصا والجزرة، وأخيرًا العصا الغليظة.
هذا النّهج، ليس جديدًا في التّاريخ الإنسانيّ، وإنّما قديمٌ، لطالما التصق بالظّواهر الاستعماريّة، رافضًا تقديم المطالب المدنيّة والخدماتيّة على الوطنيّة، والتمسّك بالثّوابت، فهناك نماذج مثل “المهاتما غاندي” في الهند، و”نيلسون مانديلا” في جنوب أفريقيا وغيرهما، ممّن آثروا التمترس خلف حقوق ومطالب شعوبهم فنجحوا أخيرًا في التّغيير والنّهضة وكنس الاستعمار.
وأخيرًا، فمجتمعنا في الدّاخل جزءٌ من الشّعب الفلسطيني له روايته الخاصّة، ورُؤيته الضّاربة في عمق التّاريخ والجّغرافيا، لن يتماهى مع أيّ نهجٍ لا يلتزم بثوابت شعبنا كلّها، وإن حقّق ما تُسمّى إنجازاتٍ، وجنّد ميزانيّاتٍ.

نبض كفرقاسم Nabd KQ من كفرقاسم… وإليها، بكل نبضة حب وانتماء.