كفر قاسم بين قدسية الشعائر وفوضى السلوك اليومي بقلم براء صرصور

بين الأذان والفوضى: كيف تحوّل الإيمان إلى شعارات تُداس في الشوارع؟

مدينة تُصلّي وتُزعج جيرانها: حين يغيب الدين عن أبسط المعاملات

في مدينةٍ تُرفع فيها المآذن خمس مرات في اليوم، وتُذكِّر الناس بنداء “حيّ على الصلاة”، من المؤلم أن تُقابِل هذا النداء مشاهدُ لا تليق لا بالدين ولا بالإنسان. كفر قاسم، المدينة المسلمة التي نفخر بهويتها، باتت في بعض زواياها تُعاني من ظواهر لا يمكن تبريرها: استهتار بالنظافة، واعتداء على الممتلكات العامة، وسلوكيات يومية تُناقض أبسط معاني الاحترام.

اذهب إلى منتزه رابعة، أو منتزه عبد الكريم قاسم، أو منتزه الحسنات، وسترى مشهدًا متكررًا: بقايا طعام، أكياس مرمية، قوارير متناثرة، وأوساخ تُترك خلف العائلات وكأن المكان بلا صاحب. لكن الصورة لا تقف عند هذا الحد، بل تتعداه إلى ما هو أخطر: تخريب متعمد للمقاعد، تكسير للألعاب، عبث بالمرافق، وكتابات تشوه الجدران. سلوك لا يسيء فقط للمكان، بل يسيء لكل من يعيش فيه.

وكأن هذا لا يكفي، تمتد الفوضى إلى سلوكيات تُزعج الناس في بيوتهم، بل وحتى جيران المساجد. حدث اليوم في كفر قاسم موقف مُحرج ومؤلم في آنٍ واحد، حين اضطر أحد الأشخاص إلى الدخول للمسجد أثناء خطبة الجمعة ليطلب من المصلين تحريك مركبة كانت تسد مدخل أحد البيوت بسبب حالة طارئة. هذا المشهد، الذي يفترض أن يكون استثنائيًا، بات يتكرر، ويُسبب إزعاجًا كبيرًا للأهالي، خاصة في أوقات الصلاة.

أيُّ مفارقة هذه؟ نذهب إلى الصلاة طلبًا للأجر، ثم نؤذي الناس في بيوتهم! نقف أمام مداخلهم، نُغلق طرقهم، ونُضيّق عليهم، ثم نظن أننا أدّينا ما علينا؟ أين هو الدين في هذه التفاصيل؟ أليس “الدين المعاملة”؟ أليس احترام بيوت الناس وراحتهم من أبسط الواجبات؟

السؤال الذي يفرض نفسه بمرارة: كيف يجتمع هذا السلوك مع دينٍ أول ما يُعلِّم هو “النظافة من الإيمان”؟ وكيف يقبل إنسان أن يُخرّب مرفقًا عامًا أو يُؤذي جارًا؟ أليست إماطة الأذى عن الطريق صدقة؟ وأليست الأمانة تشمل كل ما هو عام وخاص؟

الإسلام لم يكن يومًا دين شعائر فقط، بل دين سلوك يومي. النظافة ليست خيارًا تجميليًا، بل جزء من العقيدة. وصيانة الممتلكات العامة واجب، واحترام الناس في بيوتهم حق لا نقاش فيه. فمن يصلي، ويصوم، ويرفع يديه بالدعاء، كيف يقبل أن يرمي الأذى في مكانٍ عام؟ وكيف يرضى أن يكسر مقعدًا، أو يُزعج جارًا، أو يُغلق مدخل بيت؟

المشكلة ليست في نقص الوعي، بل في التناقض. نعرف، لكن لا نطبّق. نحفظ، لكن لا نلتزم. نطالب ببيئة نظيفة ومنتزهات مريحة، وبشوارع منظمة، ثم نكون أول من يفسدها. وهذا السلوك يخلق حالة من الامتعاض والغضب بين الأهالي، ويزرع شعورًا بالإحباط: لماذا نحافظ إن كان غيرنا سيخرب؟ ولماذا نلتزم إن كان غيرنا لا يحترم؟

نعم، للبلدية دور، وعليها مسؤولية كبيرة في توفير الحاويات، والصيانة، والرقابة. لكن لنكن صريحين: لا يمكن لأي بلدية في العالم أن تواكب استهتار الناس إن لم يكن هناك وازع داخلي. وربما تكون المخالفات المادية رادعًا ضروريًا، خصوصًا بحق من يُخالف ويُخرب ويُزعج الآخرين، لكنها تبقى حلًا جزئيًا. فالأصل أن يكون الرادع من داخل الإنسان، من ضميره، ومن فهمه الحقيقي لدينه.

المطلوب اليوم ليس فقط قوانين، بل صحوة ضمير. أن يشعر كل فرد أن الشارع بيته، وأن المنتزه مكانه، وأن راحة الناس مسؤولية عليه. أن نُربي أبناءنا على أن الإيمان لا يُقاس فقط بالصلاة، بل بالسلوك، بالاحترام، وبالمعاملة اليومية.

كفر قاسم تستحق أفضل من هذا. تستحق أن تكون صورةً حقيقيةً لقيمها، لا مجرد شعارات تُقال. النظافة، وصيانة الممتلكات، واحترام الناس في بيوتهم وشوارعهم، ليست تفاصيل صغيرة… بل هي جوهر الأخلاق. فإما أن نعكس فيها جمال ديننا، أو نتركها تعكس تناقضنا.

شاهد أيضاً

مشاركة عن نقوط العرس – الشيخ وليد فريج

خايف يطلع نقوط العرس بالآخر حرام.كله مخاجله وحرج.هو هدية ولا قرض ودين.لساتكم تحكو عن نقوط …