من فوق الطابق العاشر في كفر قاسم: هناك يبنون السماء وهنا نحارب من أجل سقف

بقلم الصحفي مصطفى عبدالله

اليوم صعدتُ إلى سطح بناية رجل الأعمال الحاج سرحان النوارة «أبو حسني» في كفر قاسم، وعندما وقفتُ فوق الطابق العاشر، لم أشاهد المدينة من الأعلى فحسب، بل رأيتُ أمامي قصة مجتمع كامل، ومفارقة عمرانية مؤلمة لا يمكن للعين ولا للضمير تجاهلها.

البناية المكوّنة من عشرة طوابق تلاصق بناية أخرى من تسعة طوابق، وتحتضن العمارتان 36 عائلة، تتراوح مساحة شققها بين 90 و200 متر مربع.

لكن هذه ليست مجرد أرقام، وليستا مجرد عمارتين من الإسمنت والحديد؛ إنهما صورة مصغرة لفلسطينيي الداخل، وفسيفساء بشرية جاءت من أقصى الشمال حتى النقب الصامد، تحمل لهجات وعادات وذكريات مختلفة، لكنها تعيش تحت سقف واحد بروح واحدة، وبسلام ووئام ومحبة واحترام.

هنا لا يسأل الجار جاره من أي بلدة جاء، بل كيف يمكن أن يقف إلى جانبه. وهنا تحولت اللهجات المختلفة من علامة تباعد إلى موسيقى يومية تصنعها 36 عائلة اختارت أن تعيش معًا وتحترم خصوصية بعضها بعضًا.

في العمارتين لجنة منظّمة لإدارة شؤون السكان، أو ما يُعرف بـ«ועד בית»، وهي ثقافة سكنية جديدة نسبيًا على كفر قاسم؛ المدينة التي تربت أجيالها على حلم قطعة الأرض والبيت المستقل والساحة الخاصة.

لكن ذلك الحلم، الذي كان حقًا طبيعيًا في حياة الآباء، أصبح بالنسبة إلى كثير من الشباب أمنية بعيدة المنال.

غلاء الأراضي، وارتفاع تكاليف البناء، وضيق مسطحات التطوير، وصعوبة الحصول على التراخيص، كلها عوامل دفعت الشباب والعائلات إلى البحث عن شكل جديد للحياة. وهكذا لم يعد السكن في العمارات المشتركة أمرًا مستغربًا، ولم يعد البناء إلى الأعلى خيارًا إضافيًا، بل أصبح ضرورة تفرضها أزمة السكن.

هذه العمارات ليست أزمة كفر قاسم… بل هي محاولة الناس للنجاة من الأزمة.

ومن فوق سطح الطابق العاشر، وجّهتُ عدسة الكاميرا نحو منطقة الشعب جنوبي كفر قاسم، المحاذية لشارع رقم 5 ومدينة رأس العين. وهناك، في لقطة واحدة، ظهرت المفارقة التي تختصر واقع التخطيط في البلاد كلها.

على الجانب الآخر من الشارع ترتفع في رأس العين ناطحات سحاب من 20 طابقًا وأكثر، وتُشق الطرق، وتتوسع الأحياء، وتُقام آلاف الوحدات السكنية ضمن مخططات واضحة ومشاريع تمتد نحو المستقبل.

أما على هذه الجهة، في كفر قاسم وبلدات المجتمع العربي، فما زال المواطن يخوض معركة طويلة حتى يحصل على رخصة لبناء بيت، وقد يقضي سنوات من عمره بين لجان التخطيط والخرائط والإجراءات، بينما يبقى بيته مهددًا بالهدم.

هناك يبنون السماء… وهنا نحارب من أجل سقف.

هناك يخططون لعشرات السنين المقبلة، وهنا ما زلنا نطالب بتوسيع مسطح بناء لا يكفي أبناءنا اليوم.

هناك تتحول الأرض إلى أحياء حديثة وأبراج شاهقة، وهنا قد تتحول الجرافة إلى أول جهة رسمية تصل إلى البيت العربي.

لسنا ضد تطور رأس العين، ولسنا ضد بناء الأبراج والمدن الحديثة، بل نتمنى الازدهار للجميع. لكن من حقنا أن نسأل: لماذا لا تحصل كفر قاسم والبلدات العربية على فرص التخطيط والتوسع نفسها؟ لماذا يصبح بناء عشرين طابقًا أمرًا طبيعيًا على جهة من الشارع، بينما يصبح بناء بيت لعائلة عربية معركة على الجهة الأخرى؟

شارع واحد يفصل بين المدينتين، لكنه يكشف فجوة هائلة في التخطيط والفرص والحق في السكن.

ورغم هذه الأزمة، أصبحت كفر قاسم نقطة جذب للعائلات العربية من مختلف أنحاء البلاد، بفضل موقعها الاستراتيجي في مركز البلاد، وعلى بُعد نحو 20 كيلومترًا من منطقة «غوش دان»، العصب الاقتصادي والتجاري، حيث فرص العمل أكثر والرواتب أعلى مقارنة بمناطق عديدة في الشمال والجنوب.

لكن استقطاب مزيد من العائلات من دون توسيع مسطحات البناء، وإعداد بنية تحتية مناسبة، وإقرار مخططات سكنية مستقبلية، يعني أن الأزمة لن تتراجع، بل ستزداد ضغطًا وحدة.

ما شاهدته اليوم من فوق عمارة الحاج سرحان النوارة «أبو حسني» ليس مجرد منظر جميل من مكان مرتفع، بل إنذار مبكر ورسالة يجب أن تصل إلى كل مسؤول وصاحب قرار.

كفر قاسم تتغير، والمجتمع العربي كله يتغير. البيت المستقل يتراجع، والسكن العمودي يتقدم، والعائلات تبحث عن حلول واقعية تحفظ كرامتها وحق أبنائها في العيش والاستقرار.

العمارتان تقدمان نموذجًا ناجحًا لما يمكن أن يكون عليه مستقبل السكن المشترك: تنظيم، واحترام، وتعاون، وحياة تجمع عائلات من الشمال والمثلث والنقب في مكان واحد.

لكن نجاح الناس في التأقلم لا يعفي الدولة ومؤسسات التخطيط من مسؤولياتها.

ليس من العدل أن يُطلب من المواطن العربي أن يتأقلم دائمًا مع الضيق، بينما تتوسع المدن المحيطة به بلا حدود. وليس من المقبول أن تبقى أزمة السكن قدرًا يلاحق شبابنا، في الوقت الذي نرى فيه آلاف الوحدات السكنية تُبنى على بُعد أمتار منا.

من فوق الطابق العاشر، ظهرت الحقيقة أوضح من أي خطاب:

عمارتان، 36 عائلة، ولهجات متعددة، لكنها تعيش بقلب واحد ومصير واحد. وعلى الجانب الآخر أبراج تلامس السماء، بينما لا يزال البيت العربي يخوض معركة من أجل رخصة، ومن أجل أرض، ومن أجل حقه البسيط في البقاء.

السؤال لم يعد: هل سيتغير شكل السكن في كفر قاسم؟

لقد تغيّر بالفعل.

السؤال الحقيقي هو: هل ستواكب مؤسسات التخطيط هذا التغيير، أم ستترك شبابنا عالقين بين حلم بيت لم يعد ممكنًا… وجرافة قد تصل في أي لحظة؟

شاهد أيضاً

رسالة من مدرب سباحة: آن الاوان لبناء بركة سباحة في كفرقاسم

سلام عليكم مصطفى، يعطيك العافية. أنا بتابع اهتمامك بالرياضة وشباب وأولاد كفر قاسم، وبشوف متابعتك …