وحدة الضرورة: إعادة تشكيل القائمة المشتركة بين ضغط الشارع وتوازنات المصالح بقلم الأستاذ شاهين صرصور

تأتي إعادة تشكيل القائمة العربية المشتركة في كانون الثاني 2026 في لحظة سياسية واجتماعية شديدة التعقيد، أعقبت سنوات من الانقسام الحزبي والتراجع في مكانة التمثيل العربي داخل الكنيست. فمنذ تفكك القائمة المشتركة قبيل انتخابات الكنيست التي جرت في 1 تشرين الثاني 2022، دخلت الأحزاب العربية مرحلة من التشتت انعكست مباشرة على قدرتها على التأثير السياسي، وعلى مستوى الثقة بينها وبين جمهورها.

هذا المسار تزامن مع تصاعد لافت في معدلات العنف والجريمة المنظمة داخل المجتمع العربي خلال الأعوام 2024–2025، ما عمّق الإحساس بالعجز السياسي وبغياب الحماية، وأعاد طرح سؤال الوحدة بوصفه ضرورة عملية تتجاوز الخلافات الأيديولوجية التقليدية.

ضغط الشارع العربي ودوره في فرض خيار الوحدة (22–23 كانون الثاني 2026)

شكّل يوم 22 كانون الثاني 2026 نقطة تحوّل حاسمة، مع خروج مظاهرة جماهيرية واسعة في مدينة سخنين، أعقبها إضراب عام شمل عددًا كبيرًا من البلدات العربية. جاء هذا الحراك، الذي احتجاجًا على تفشي الجريمة وتقاعس مؤسسات الدولة، سرعان ما تحوّل إلى منصة مساءلة سياسية مباشرة للقيادات الحزبية العربية.

عقد قادة الأحزاب العربية في مساء 23 كانون الثاني 2026، اجتماعًا طارئًا في بلدية سخنين، انتهى بتوقيع وثيقة تعهد لإعادة تشكيل القائمة المشتركة تحت شعار “قائمة مشتركة الآن”. هذه الخطوة لم تكن تعبيرًا عن توافق فكري عميق، بقدر ما كانت استجابة مباشرة لضغط شعبي غير مسبوق أعاد ترتيب سلم الأولويات السياسية. يجدر أن أذكر أن رجل الاعمال أبن مدينة سحنين علي ابراهيم زبيدات كان من وراء المبادرة بتنظيم المظاهرة الضخمة في سخنين وكذلك من وراء المبادرة لتوقيع التعهد بإقامة المشتركة.

كلفة الانقسام وتجربة انتخابات 2022

أظهرت نتائج انتخابات 2022 بوضوح الكلفة السياسية للانقسام. فقد خاضت الأحزاب العربية الانتخابات بقوائم منفصلة، ما أدى إلى حصول تحالف الجبهة-العربية للتغيير على خمسة مقاعد، والقائمة العربية الموحدة على خمسة مقاعد، في حين فشل حزب التجمع الوطني الديمقراطي في تجاوز نسبة الحسم. وبذلك تراجع التمثيل العربي إلى عشرة مقاعد فقط من أصل 120، وهو تمثيل لا يعكس الوزن الديمغرافي للعرب الذين يشكلون أكثر من 20% من سكان الدولة.

شكّلت هذه النتائج نقطة مراجعة داخل الأحزاب العربية، وأعادت الاعتبار لفكرة الوحدة الانتخابية بوصفها خيارًا براغماتيًا لا غنى عنه في ظل نظام انتخابي صارم.

من الوحدة الأيديولوجية إلى التحالف الانتخابي التقني

في أعقاب التوقيع على وثيقة الوحدة، شدد رئيس الحركة العربية للتغيير، أحمد الطيبي، في تصريحات إعلامية بتاريخ 23 و24 كانون الثاني 2026، على أن القائمة المشتركة بصيغتها الجديدة ليست اندماجًا حزبيًا كاملًا، بل تحالفًا انتخابيًا تقنيًا يهدف إلى خوض الانتخابات ضمن قائمة واحدة، مع احترام التباينات الفكرية والسياسية بين مركباتها، وعدم إلزام أي طرف بمواقف سياسية بعد الانتخابات.

يعكس هذا الطرح وعيًا بحدود التوافق بين الأحزاب، ويهدف في الوقت نفسه إلى تعظيم فرص النجاح الانتخابي، مع تقديرات بحصول القائمة على ما بين 15 و17 مقعدًا.

دور القيادات الحزبية في بلورة التوافق المرحلي

أسهمت شخصيات سياسية مركزية، حزبية وتمثيلية، في بلورة هذا التوافق المرحلي الذي أفضى إلى إعادة تشكيل القائمة المشتركة.

رئيس القائمة العربية الموحدة، منصور عباس، أوضح في مقابلة نُشرت في 24 كانون الثاني 2026 أن توقيعه على وثيقة الوحدة جاء قناعةً بمطلب المرحلة، وليس نتيجة ضغط أو إحراج، مؤكدًا في الوقت ذاته على ان المشتركة اصبحت حقيقة واقعة وأن على الاحزاب العربية الشروع فورا في مرحلة تهدئة (هدنة مناكفات)، تمتنع فيها الاحزاب عن اية تصريحات يمكن ان تعكر الاجواء، وضرورة تعزيز الجهود نحو استكمال الاجراءات لتشكيل المشتركة، مع التأكيد على ان المشتركة الجديدة “التقنية” يجب أن تعكس التعددية السياسية والفكرية داخل المجتمع العربي، وأن تبقى إطارًا مرنًا يسمح لكل مركّب بالحفاظ على خصوصيته السياسية ، ويمكن ان تحافظ على وحدتها على قاعدة تقاسم الادوار: حزب يدخل الائتلاف، حزبان يشكلان كتلة مانعة، وحزب يظل معارضًا.

من ناحيته دعا رئيس الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، أيمن عودة، في مطلع كانون الثاني 2026 إلى تصعيد غير مسبوق في مواجهة الجريمة، وصولًا إلى طرح فكرة العصيان المدني، معتبرًا أن استمرار الواقع القائم يضرب أسس الحياة الطبيعية في المجتمع العربي، وأن الضغط الجماهيري المنظم بات أداة سياسية مشروعة في ظل فشل مؤسسات الدولة.

في المقابل، شدد رئيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي، سامي أبو شحادة، عقب التوقيع في 23 كانون الثاني 2026، على أن ما جرى في سخنين أعاد الثقة والروح إلى الشارع العربي، وأن الوحدة بحد ذاتها تشكل قيمة سياسية تتجاوز التفاصيل التنظيمية والخلافات الأيديولوجية، لا سيما في ظل التهديد المتزايد بتهميش الصوت العربي داخل الكنيست.

إلى جانب ذلك، برز دور جمال زحالقة بصفته رئيس لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، حيث شكّل موقعه التمثيلي الجامع عاملًا مهمًا في توفير الغطاء الوطني والشعبي لمسار الوحدة. فقد أسهم زحالقة في تحويل الغضب الشعبي الناتج عن تفشي الجريمة والعنف إلى ضغط سياسي منظّم، وربط بين الحراك الميداني ومسؤولية الأحزاب في توحيد صفوفها. هذا الدور لم يكن حزبيًا مباشرًا، بل جاء من موقعه كرئيس لإطار تمثيلي جامع، ما منح دعواته للوحدة شرعية وطنية عابرة للأحزاب، وأسهم في تهيئة المناخ السياسي الذي جعل إعادة تشكيل القائمة المشتركة خيارًا شبه حتمي.

التباينات السياسية وحدود الشراكة داخل القائمة المشتركة

على الرغم من هذا التوافق، تبقى الخلافات الجوهرية التي برزت خلال الأعوام 2019–2022 قائمة، لا سيما ما يتعلق بالمشاركة في الائتلافات الحكومية وحدود الشراكة السياسية مع أحزاب صهيونية، وهي قضايا تفجّرت بشكل واضح عقب مشاركة القائمة الموحدة في حكومة بينيت–لبيد عام 2021.

غير أن هذه الخلافات جرى دحرجتها عمدًا إلى ما بعد الانتخابات المقبلة، في محاولة للحفاظ على الوحدة الانتخابية ومنع انهيارها قبل دخول المعركة البرلمانية.

الوحدة الانتخابية بين الضرورة المؤقتة والاستمرارية المستقبلية

يمكن توصيف وحدة عام 2026 بوصفها وحدة اضطرارية فرضتها أزمة مركّبة: اجتماعية، أمنية، وانتخابية. استمرار هذه الوحدة بعد الانتخابات سيتوقف على حجم الإنجاز الانتخابي، وعلى قدرة القيادات الحزبية على إدارة الخلافات المرحّلة ضمن أطر مؤسساتية تمنع العودة السريعة إلى منطق الانقسام.

خاتمة تحليلية: رأي الكاتب

يرى الأستاذ شاهين صرصور، استنادًا إلى بحث جامعي موسّع كتبه حول تطور تجربة القائمة المشتركة منذ تأسيسها وحتى إعادة تشكيلها في مرات عديدة أخرها في يناير 2026، أن توحّد الأحزاب العربية لا يمكن تفسيره فقط من خلال الضغط الشعبي أو الخسارة الانتخابية التي نجمت عن الانقسام. ويخلص صرصور إلى أن المصالح الحزبية والشخصية لعبت دورًا كبيرًا ومركزيًا في إعادة إنتاج الوحدة.

فقد أدركت القيادات الحزبية، وفق هذا التحليل، أن الاستمرار في العمل المنفصل يهدد مكانتها السياسية الفردية، ويقلّص فرصها في الحفاظ على التمثيل البرلماني والنفوذ داخل الكنيست. وعليه، فإن العودة إلى القائمة المشتركة شكّلت، إلى جانب كونها استجابة لمطلب جماهيري حقيقي، خيارًا عقلانيًا لحماية المصالح الحزبية والتمثيل الشخصي في ظل نظام انتخابي لا يرحم التشتت.

من هذا المنطلق، لا ينفي الكاتب البعد الجماعي والوطني للوحدة، لكنه يؤكد أن هذه الوحدة تظل مشروطة، تحكمها توازنات المصالح بقدر ما تحكمها الشعارات الجامعة، ما يجعل مستقبلها مرهونًا بما ستفرزه الانتخابات وبكيفية إدارة الخلافات بعدها.

شاهين صرصور -خريج جامعة بار إيلان في العلوم السياسية، يُجري بحثًا أكاديميًا لنيل درجة الدكتوراه حول القائمة العربية الموحدة والسياسة العربية في إسرائيل. شغل منصب مستشار برلماني في الكنيست للنائبين إبراهيم صرصور وطالب أبو عرار.

شاهد أيضاً

مشاركة عن نقوط العرس – الشيخ وليد فريج

خايف يطلع نقوط العرس بالآخر حرام.كله مخاجله وحرج.هو هدية ولا قرض ودين.لساتكم تحكو عن نقوط …