يوم الأرض: حين تلتقي قيم العدالة الاجتماعية مع الوطنية – عادل عامر

كنت في ذلك اليوم قد بلغت من العمر 13 عاما ونيف وكنت في الصف السابع، بالنسبة لي كان يوما دراسيا عاديا. في البيت لم يطلبوا مني عدم الذهاب للمدرسة ولم يحذروني من أن الاجواء متوترة او ان هناك حدثا غير اعتيادي.

ولكن بيتنا كان يقع في مركز القرية او كما كنا نسميها ساحة ” البلد “ قبل ان يصبح اسمها لاحقا   “المدرحوف”، كانت هذه الساحة  مركز الحياة لقريتنا الوادعة. ففي كل زاوية منها مقهى له زبائنه وزواره ومريدوه. تبدأ الحياة تعج في “البلد” بعد الساعة الرابعة عصرا، اي عندما يعود العمال من أعمالهم، يتناولون غداءهم في بيوتهم ويخرجون منها بعد ذلك مولين وجوههم نحو مركز القرية “البلد”، حيث يأخذ هذا الحيز حياة أخرى، مليئة بالضجيج والصراخ أحيانا، وبالضحك احيانا اخرى. وبالغضب احيانا اخرى. وبرائحة القهوة ودخان السجائر وبشِلل من الرجال يتجمهرون حول طاولة للعب الشدة او الزهر او لاحتساء الشاي والقهوة لا غير.

كان رجال القرية يجتمعون في هذه الساحة للترويح عن أنفسهم، فيها يلتقون يتسامرون يتبادلون أطراف الحديث او يتفقون على تجارة، او صفقة ما او على زيارة ما.

وفي وسط هذه الساحة كانت شجرة كينا كبيرة جدا وطويلة جدا وعريقة جدا.

استخدامات هذه الشجرة كانت متنوعة فهي اما ان تكون لوحة اعلانات كبيرة ثابته ومجانية او ان تكون متكأ لشابين يتحدثان في شأن ما. ويقيني انه لو قيض لهذه الشجرة ان تتحدث لروت لنا اسرار كل أهلنا في ذلك الزمان وقبله فهي حافظة أسرار أمينة ومخلصة، لا تنطق ببنت شفة بتاتا، ولهذا فهي لا زالت باقية حتى يومنا هذا، ولكن كمية الاسرار خفت وتراجعت كثيرا لان شبابنا توزعت على حاراته.

هذه الساحة كانت ايضا مركزا نشطا للعمل السياسي والاجتماعي، فهي كانت ملتقى لأهل البلد من الرجال حيث أن كل نشاط سياسي، او اجتماع شعبي، او توزيع منشور او جريدة كان يتم فيها.

وللحقيقة وللتاريخ اقول انه في تلك السنوات ولسنوات طويلة كان الشيوعيون وحدهم من يقوم بهذا النشاط، حيث كانت تعقد الاجتماعات الشعبية والندوات وتوزيع المنشورات وتوزيع جريدة الاتحاد. وفي بعض الاحيان كان يأتي رفاق حركة “متسبين” ايضا.

وبسبب قرب بيتنا من هذه الساحة فانه فما ان اسمع نحنحة صوت الميكروفونات حتى أقفز وأتابع عن قرب وعن كثب وبشغف، كافة التحضيرات لهذه الاجتماعات الشعبية، وحين يبدأ المتكلمون والخطباء بإلقاء كلماتهم لم أكن افهم شيئا مما يقولون بسبب صغر سني، ولكني كنت اتابع ملامح وجوههم وأحاسيسهم ومشاعرهم ونبرات أصواتهم حين تعلو وتخفت.

وللحقيقة أقول انه في وقت لاحق وحينما بدأت بعض المصطلحات والمفاهيم تتبلور، بدأت الكثير من التساؤلات تدور في ذهني دون ان احصل على اجابات عليها وخاصة عندما كنت احضر الاجتماعات التي كان يشارك فيها متحدثون عرب ويهود.

وكان السؤال: كيف يستوي؟

كيف لعربي ويهودي ان يلتقيا في منصة واحدة وكلاهما يشتم الحكومة؟

وقد لفت نظري، في حينه، أحد الرفاق اليهود الذي كان يخطب بحماسة منقطعة النظير وبصوت جهوري وعالي، حيث كان وجهه يحمر من شدة حماسة الخطاب وكانت شرايين رقبته تكاد تنفجر من شدة حماسته وربما غضبه، طبعا دون ان افهم شيئا مما يقول، ولكن مشاعره كانت فياضة وحقيقية.

وعرفت لاحقا ان هذا المتحدث هو الرفيق يهوشوع ايرغا، النقابي العريق والعامل العتال في أحد الموانئ، والذي كان يصب جام غضبه الطبقي على اصحاب رؤوس الاموال المستغلين لحقوق العمال وعرقهم، وعلى الصهيونية التي فجرت الحروب وسلبت الأرض، حيث كان الرفيق ايرغا امميا صادقا ومخلصا.

الغضب الطفولي

في سنوات عمري الاولى كان غضبي منصبا على والدي بسبب ضيق الحال والفقر الذي كانا نعيشه، اسوة بالكثير من أترابي، الذين كانوا يعانون من الفقر وشظف العيش.

وسبب غضبي على والدي، لأني حملته مسؤولية هذا الفقر، وانه لا يبذل الجهد الكافي لإخراجنا من هذا الوضع وهذا الفقر. وان تقصيره هذا يحرمنا مما كنا نراه لدى البعض من أترابنا، الذين حالفهم الحظ بالوفرة والتنوع في الملبس والمأكل وغيرها من جماليات وكماليات الحياة، وأحيانا من اساسياتها.

هذا الغضب استمر لفترة لا بأس بها، دون ان أدرك ان لغضبي يجب ان يكون عنوانا اخر. وان والدي يبذل كل جهده وقوة عمله وجسده، فهو يستفيق من الرابعة صباحا هو ووالدتي. ليستعد للخروج للعمل في الخامسة صباحا في حين تكون والدتي تحضر له ما تيسر من الزوادة او “العقدة ” كما كنا نسميها ويخرج لعمله أجيرا في الزراعة ويعود في الرابعة بعد العصر منهكا ومتعبا، الا انه يواصل عمله في كرم الزيتون، الذي كنا نملكه. وهكذا تستمر وتيرة يومه المثقل بالجهد، والتعب، والعطاء والتضحية.

حينها بدأت الاسئلة تدور في راسي، إذا كان والدي نشيطا لا يقصر في اعالتنا ويبذل كل ما لديه من طاقة ونشاط، فمن هو المسؤول اذن، عن هذا الفقر وهذا العوز؟

  لماذا نستمر في العيش في دوّامة الفقر المفرغة والمحكمة؟

 لماذا لا نخرج منها؟

اين الخلل؟

من المسؤول؟

كيف نخرج ونكسر هذه الدائرة؟

اسئلة بقيت معلقة الى حين ولكن الاهم انني حررت نفسي من غضبي وحررت والدي من تهمة لم يرتكبها اصلا.

عودة الى ساحة ” البلد” وشجرة الكينا

كانت العادة ان يحضر رفاق الحزب الشيوعي من منطقة المثلث، وخاصة من الطيبة والطيرة، الى كفر قاسم مرة في الأسبوع، كل يوم جمعة، لتوزيع جريدة “الاتحاد”.

ولكني بدأت الاحظ، وكنت قد بلغت من العمر 13 عاما ونيف، ان زيارتهم اخذت تتكرر أكثر من مرة في الأسبوع، وكانوا يحملون بالإضافة لجريدة “الاتحاد” منشورات أخرى، يوزعونها مجانا وبشكل مكثف على الناس ويبقون ساعات طويلة في البلد يتناقشون ويتحاورن مع الناس. واخذت تدور في الاجواء مصطلحات لم أكن أعي معناها العميق وأهدافها مثل “اضراب عام” و “يوم الارض” و  “مصادرة اراضي” و”سلطة وحكومة”.

 وأن هناك توتر عام لم أفقه معناه ومن أين أتى ولماذا وكيف، ولكني كنت على قناعه ان لهؤلاء الناس، اصحاب المنشورات والجريدة دورا في ذلك.

في صبيحة الـ 30 من اذار 1976 ذهبنا الى المدرسة كالمعتاد، ولكن الاجواء العامة كانت متوترة للغاية، وما ان دخلنا صفوفنا في مدرسة “الغزالي” التي كانت مدرسة ابتدائية واعدادية وثانوية، حيث تم افتتاح القسم الثانوي حديثا، حتى سمعنا جلبة كبيرة واصواتا تتعالى وتدعونا للخروج من الصفوف وما هي الا لحظات حتى دخل صفنا أحد طلاب المرحلة الثانوية وبحماسة شديدة دعانا للخروج من الصف.

 وما ان خرجنا حتى رأينا ان المدرسة برمتها كانت في الساحة، حيث تجمهر عدد لا بأس به من طلاب المرحلتين الثانوية والاعدادية واخذوا يطلقون الشعارات والهتاف، لا أذكر تفاصيلها، لكن أذكر الجلبة التي عمّت ساحات المدرسة.

ثم انطلقت مسيرة كبيرة من كل طلاب المدرسة باتجاه المنطقة الغربية لبلدنا، لتلتقي مع مسيرة اخرى كانت قد انطلقت من مركز القرية، أي ساحة “البلد” حيث شجرة الكينا الخالدة. انطلقت المسيرة بعد ان وقف المناضل الراحل عمر عصفور عامر، كما حدثني نجله المهندس والمربي وليد عامر، مطلقا صرخته للمتواجدين ان قوموا وناصروا ابناء شعبكم في الجليل الذين يتعرضون للقتل، حيث بدأت تصل المعلومات حول سقوط شهداء في الجليل. وحث أهل البلد كذلك، حيث نادى: “ناصروا أرضكم المصادرة”. التي تمّ الإعلان عن مصادرتها في وقت سابق في منطقة في الجهة الغربية من كفر قاسم تدعى حتى اليوم منطقة “الطبقة”، وقد احاطتها السلطات الحكومية الإسرائيلية بالخوازيق والاسلاك، معلنة بذلك مصادرتها. وقد قامت ايادي الطلبة والشباب، بإزالة الاسلاك وخلع الخوازيق وحملها على الاكتاف لمسافة طويلة متجهين الى مركز القرية، الى ساحة “البلد” حيث بناية المجلس المحلي، وألقوا بها امام المجلس وسط هتافات عالية وكبيرة منددة بالمصادرة وغيرها من الشعارات.

لاحقا اتضح ان السلطات قامت باعتقالات استباقية في كفر قاسم شملت الرفاق محمد داوود طه “ابو عدنان”، حمدالله اسماعيل بدير والمناضل عبد الله نمر بدير “ابو ناشد”. الا أن من بقي من الرفاق والمناضلين قام بواجبه الوطني كما يجب.لم يخضع الرفاق لمحاولات الترهيب وإحباط النضال الشعبي، حيث استمروا في جهودهم للتنظيم والدفاع عن أراضيهم وتلبية دعوة اللجنة القطرية للدفاع عن الأراضي في إنجاح إضراب يوم الأرض.

هذه المسيرة في ال 30 من اذار عام 1976 قلبت الموازين في كل تفكيري، لأول مرة اشارك في مسيرة، بل مظاهرة كتلك، وهي مختلفة عن مسيرة ومظاهرة إحياء ذكرى شهداء مجزرة كفر قاسم، والتي بالعادة، حتى ذلك الحين كانت مشاركتي فيها غير فعالة سوى السير مع الجمهور الواسع بحزن وألم دون ان يكون لدي دور.

ولأول مرة اسمع هتافات وطنية، يطلقها شبان وشابات من بلدنا، قسم كبير أعرفهم شخصيا وقسم آخر كنت أصادفهم في مكان آخر في البلد. حينها، كان بمقدوري ترديد هذه الهتافات، بشعور يغمره رهبة الجماعة والألفة، رغم الإرباك الذي رافق فتى في الثالثة عشر من عمره يشارك الهتاف لأول مرة، مع كافة زملائه وأترابه الطلبة.

ولكن كان هنالك سؤال أشغل ذهني خلال المظاهرة: لماذا تبدو وجوه هؤلاء الشباب الذين يهتفون بهذه الحماسة، ويحملون الخوازيق التي اقتلعوها على اكتافهم، مألوفة؟ أين اراهم خارج المدرسة؟

نعم.

كنت أراهم في نادي للحزب الشيوعي يقع مقابل مدرسة الغزالي وبالقرب من بيت جدي لأمي، حيث كنت دائم التواجد في هذا البيت الدافئ. كنت اشاهدهم دوما دون ان أعي او أعرف ما هذا المقر او هذا النادي.

لم تنته الحكاية في ذلك اليوم، ففي اليوم التالي ليوم الارض، اي في 31 اذار شهدت المدرسة ضجيجا جديدا ورفضا صارما من طلاب المرحلة الثانوية الدخول الى الصفوف لمواصلة التعليم. لاحقا اتضح ان هذا الاضراب، هو اضراب تضامن ومساندة لمعلمين من المدرسة الثانوية جرى اعتقالهم مساء يوم الارض 30 اذار وهما الاستاذين مدحت سمارة من الطيرة وعمر غرة من جت المثلث بتهمة تحريض طلاب المدرسة على الاضراب وتعطيل الدراسة.

والاجمل ان نضال الطلبة نجح، حيث تم إطلاق سراح المربين مدحت سمارة وعمر غرة في نفس اليوم، ولدى وصول خبر إطلاق سراحهم تعالت أصوات الفرح. 

ولكن بعد هذه المظاهرة قررت ان أعرج على هذا المقر لأعرف وأتعرف على هؤلاء الشباب عن قرب وماذا يفعلون؟

وكانت المفاجأة، وكأنني حصلت على كنز من المعرفة وبئر لا ينضب من الفكر، حيث جريدة “الاتحاد” ومجلة “الغد” ومجلة “الجديد” الادبية والثقافية وغيرها من الكتب.

وكانت الرغبة الجامحة بالتعرف على هؤلاء الشباب وما فعلوه في يوم الارض، دافعا لي لكي أعمق معرفتي بهم وبفكرهم وارادتهم. ورغبة في الحصول على اجوبة شغلت تفكيري الطفولي لسنوات طويلة.

هنا في هذا النادي الذي لم أعرف اسمه إلا لاحقًا، نادي الحزب الشيوعي في كفر قاسم التقت المشاعر القومية والوطنية مع الاسئلة التي شغلتني سنوات طويلة حول الفقر الذي نعيشه.

مع ازدياد تقربي للشبيبة الشيوعية بدأت الاجوبة تنهال علي وبدأت أتحرر من مشاعر الغضب على والدي، لتتجه نحو العناوين الصحيحة، وهي نظام الاستغلال الطبقي للعمال والفلاحين، هذا النظام الذي يكرس الفقر والاضطهاد والاستعباد من خلال منظومة مبنية باحكام لكي تبقى هذه الطبقات المسحوقة حيثما هي تتخبط في فقرها وتركض وراء لقمة عيشها، وتبقي هي تمارس غيها وقمعها واستغلالها، لتضيف له القمع القومي والوطني، في حالتنا نحن الجماهير العربية الفلسطينية الباقية في وطنها.

جاء يوم الارض الخالد قبل 50 عاما ليفجر الطاقات الكامنة في جماهيرنا بأبهى حالات الابداع النضالي حين تلتقي الارادة الجماهيرية والشعبية بقيادة وطنية متزنة، لا تغامر، ولكنها لا تساوم عن حق شعبها في البقاء.

حالة تلتقي فيها أسمى القيم الإنسانية، قيم النضال الوطني والاممية الصادقة والعدالة والاجتماعية، القائمة على التوزيع العادل للخيرات والثروات، لكي لا يبقى شاب يافع، في كل بقاع الأرض، يتهم والده بانه السبب في فقر عائلته.

مسؤوليتنا في الذكرى الـ 50 ليوم الارض هي تعزيز قيم النضال الوطني المنفتح على الشراكات الاممية، التي تضمن البقاء المبني على الكرامة الانسانية وتجذير مشاعر الانتماء للوطن والارض والانسان. قيم المساواة الوطنية والمدنية كحق وليس كمنة من أحد. وفي ظل المستجدات الاقليمية والحرب العدوانية على إيران تبقى الوحدة الوطنية، كما تجلت قبل 50 عاما، مطلبا وطنيا ملحًا، علينا تعزيزها ورفدها بعوامل القوة والاستمرار.

المصدر: الاتحاد

شاهد أيضاً

مشاركة عن نقوط العرس – الشيخ وليد فريج

خايف يطلع نقوط العرس بالآخر حرام.كله مخاجله وحرج.هو هدية ولا قرض ودين.لساتكم تحكو عن نقوط …