رحيلُ المعلّم ليس خبرًا عابرًا… بل انطفاءُ نورٍ كان يضيء الطريقَ لأجيالٍ كاملة
في وداع الأستاذ علي صابر عامر (أبو فادي)
رحل اليوم الأستاذ والمدير المتقاعد علي صابر عامر، عن عمرٍ ناهز السبعين عامًا، ورحل معه فصلٌ كامل من ذاكرة التعليم، ومن سيرة جيلٍ آمن بأن بناء الإنسان هو أقدس أشكال البناء، وأبقاها أثرًا.
كان الأستاذ علي من الجيل الثاني من المعلمين القسماويين،ذلك الجيل الذي بدأ مسيرته كمعلم في منطقة النقب في الثمانينات، في ظروف لا يمكن وصفها إلا بالقاسية والاستثنائية. لم تكن هناك مبانٍ تعليمية مكتملة، ولا صفوف بالمعنى المتعارف عليه، ولا بنى تحتية تُسند الفعل التربوي. كانت الخيام، والبيئة الصحراوية القاسية، وشُحّ الإمكانات، هي الواقع اليومي حيث كان السفر إلى النقب في تلك السنوات مشقّة حقيقية، مسافات طويلة ، وطرق شاقة، وبدايات فجر لا يسبقها إلا الإيمان برسالة التعليم والصبر على قسوتها.
ومع ذلك، لم يكن التراجع خيارًا، بل كانت الإرادة أقوى، فساهموا بإصرار في دفع عجلة التعليم في النقب في واحدة من أصعب المراحل وأكثرها تحدّيًا.
بعد تلك التجربة التأسيسية، انتقل الأستاذ علي، مع ثلة من أبناء جيله، إلى مدارس كفر قاسم، وكان من الذين أسهموا بوضوح في النهضة الأكاديمية التي شهدتها المدينة في أواخر الثمانينات. لم تكن تلك النهضة حدثًا عابرًا، بل مسارًا تراكميًا عميق الأثر، صنع أجيالًا من المتعلمين، وأحدث نقلة نوعية حقيقية، إذ انتقلت كفر قاسم من مراتب متأخرة في نسب الأكاديميين حتى الثمانينات، إلى مستويات عالية ومشرّفة، بفضل معلمين آمنوا بالعلم، وبالطالب، وبحق المجتمع في مستقبل أفضل.
لم يكن الأستاذ علي عامر مجرد معلم أو مدير مدرسة، بل كان له حضورًا اجتماعيًا وإنسانيًا لافتًا في كفر قاسم. ربطته علاقات اجتماعية واسعة، اخترقت حواجز العمر والجيل. كان الصديق لمن يعرفه ، وفي الوقت ذاته لم يشعر من يصغره بعشرات السنين بأي فارق حين يجلس إليه، تجلس معه وتستمتع بالحديث وكأنك تجالس ابن جيلك، لا رجلًا سبقك بعقود.
أحب الأستاذ علي اللغة العربية حبّ العارف والعاشق. كان بارعًا في الكتابة، مولعًا بالأدب، عاشقًا للشعر، فلا يخلو حديث معه من بيتٍ موزون، أو إشارة أدبية، أو جملة مصقولة تُضفي على الكلام عمقًا وجمالًا. كانت اللغة عنده هوية، وذاكرة، ومتعة عقلية وروحية لا تنفصل عن شخصه.
ربطتني بالأستاذ علي عامر، أبو فادي، علاقة حميمة بدأت قبل أكثر من خمسة عشر سنة. قبل ذلك لم أكن أعرفه عن قرب، إذ لم أكن من طلاب المدرسة التي عمل فيها،كما لم تجمعنا المواقف في السياسة المحلية حتى تلك الفترة، وهو ما حال دون معرفتي به عن قرب قبل ذلك . لكنني، مع مرور الوقت، اكتشفته إنسانًا قبل أن أكتشفه مربّيًا، واكتشفت فيه روحًا قريبة، وحضورًا دافئًا، ورجلًا يصنع الألفة دون تكلّف، شعرت معها أنه صديق وابن جيلي، رغم العشرين عامًا التي تفصل بيننا. التقيته آخر مرة قبل شهر، حين زارني في ساعات الظهيرة. جلسنا لأكثر من ساعتين، وتحدثنا كما هي العادة في مواضيع شتى. فهو من أولئك القلائل الذين يتقنون الحديث عن العلم، والسياسة المحلية والعالمية، وعن القضايا المجتمعية الصغيرة والكبيرة، بعمق واتزان، ودون ادّعاء أو استعراض.
لكن في ذلك اللقاء تحديدًا، ولأول مرة، أخذني في حديثٍ مختلف. حدّثني عن مشواره كطالب في كلية المعلمين، ثم كمعلم في النقب. وصف النقب في تلك السنين، ومضارب الخيام، قبل أن تأخذ القرى هناك شكلها الحالي. حدّثني عن انتقاله إلى كفر قاسم، وعن اختياره مديرًا، وعن محطات وأحداث مفصلية مرّ بها خلال مسيرته التربوية. ثم انتقل للحديث عن دخوله المستشفى قبل أكثر من عام، وعن مكوثه لأسابيع، وهو يذكر بامتنان واضح مئات الذين زاروه. شعرت حينها أنه كان مسرورًا، بل فخورًا، بذلك الحجم من الاحتضان الجماهيري الذي حظي به.
توقف عند عيد ميلاده السبعين، الذي احتفل به مع أولاده وأحفاده. وحين وصل الحديث عن الأحفاد، أخذ يصفهم واحدًا واحدًا، فردًا فردًا، بأسمائهم وملامحهم وطباعهم، وبفخرٍ لا يخفى. تحدث عن المستقبل الذي ينتظر كل واحد منهم، وكأنه ما زال يخطط للحياة، ويؤمن أن القادم أجمل.
وعندما حان وقت المغادرة، رافقته حتى سيارته. وحتى بعد أن ركب وفتح النافذة، فتحنا موضوعًا جديدًا للحديث. لم نُنْهِه. ابتسم وقال لي:
«خلص، بنكمل المرة الجاي.»
لم نلتقِ بعد ذلك. افترقنا، ولم أتوقع أن يكون ذلك الوداع الأخير.
هذا اليوم بعد انتهاء صلاة فجر ، الجمعة، بلغني خبر وفاته. تفاجأت، وانتظرت الصباح لأشارك في جنازته، من باب الحدّ الأدنى من الوفاء لرجلٍ كان له فضل الحضور والأثر. وبعد انتهاء الدفن، وقفت متأمّلًا، أحاول استعادة تفاصيل آخر لقاء جمعنا، وتذكّرت وعد اللقاء القادم الذي اتفقنا عليه، دون أن نعلم، أنا وهو، أن ذلك اللقاء المؤجَّل سيكون وداعنا الأخير… هناك، عند المقبرة…
سوف تفتقدك مدينة كفر قاسم، وسأفتقدك أنا، كغيري ممن عرفك، إلى الجلسات معك، وإلى الحديث الذي لا يُستنفد معك أبدًا؛ حديثٍ كانت له في كل مرة لذّة خاصة، ومتعة لا تتكرر.
سائد عيسى

نبض كفرقاسم Nabd KQ من كفرقاسم… وإليها، بكل نبضة حب وانتماء.