البسطات الرمضانية في كفر قاسم: بين الروحانية والاكتفاء الذاتي بقلم براء صرصور

لطالما كنت أؤمن بأن رمضان هو شهر الارتقاء الروحي والتأمل الذاتي أكثر من كونه موسمًا للإفراط في الأكل والمأكولات. فهو شهر الصيام، لا شهر الامتلاء، شهر التهذيب النفسي، لا شهر التسابق على شراء القطايف والعوامة والكعك والفلافل والمخللات وغيرها من الأطعمة التي تملأ الشوارع والأسواق في هذا الشهر الفضيل. كنت أرى أن هذه المظاهر تشتت التركيز عن جوهر رمضان الحقيقي، حيث يجب أن يكون الاهتمام منصبًّا على القيم الروحية والتقوى أكثر من الولائم والمأكولات.

لكن رؤيتي لهذه الظاهرة بدأت تتغير عندما تأملت فيمن يقف خلف هذه البسطات الرمضانية في كفر قاسم. رأيت أطفالًا وشبابًا صغارًا، بعضهم من ذوي الهمم والقوى الخاصة، يعملون بجد وراء عربات الحلويات، وأكشاك عرايس اللحمة، وبسطات المخللات والخبز. لم يكن الأمر مجرد بيع للمأكولات، بل كان مدرسة حقيقية يتعلم فيها هؤلاء الصغار مهارات التجارة والبيع، ويتدربون على التعامل بالنقود، والتواصل مع الزبائن، وتحمل المسؤولية.

في هذه الزوايا المضيئة من شوارع رمضان، لمست قيمًا جديدة لم أكن أراها من قبل. رأيت طفلاً يقف خلف بسطة الكعك، يعد النقود بحماسة، ويبتسم لكل من يشتري منه. رأيت شابًا من ذوي الهمم يبيع الحلويات بكل سعادة وعنفوان ويفخر بقدرته كرجل اعمال!. رأيت أشبالًا يتعلمون الاستقلالية والاعتماد على النفس، ويكتسبون خبرات حياتية قد لا توفرها لهم المدرسة أو الكتب.

نعم، لا يزال رأيي ثابتًا أن رمضان هو شهر الروحانية قبل كل شيء، لكنني اليوم أكثر تفهمًا لأهمية هذه البسطات من زاوية أخرى. فإذا كان بإمكان هذا النشاط التجاري أن يمنح الأطفال والشباب فرصة للتعلم والتطور، فلمَ لا يكون جزءًا إيجابيًا من المشهد الرمضاني؟ طالما بقي التوازن قائمًا بين الروحانية والاكتفاء الذاتي، فإن هذه البسطات لم تعد مجرد مظاهر استهلاكية، بل أصبحت جزءًا من قصة رمضان في كفر قاسم، قصة تعبق بروح العمل والاجتهاد، وتنثر الأمل في قلوب الأجيال الصاعدة.

شاهد أيضاً

مشاركة عن نقوط العرس – الشيخ وليد فريج

خايف يطلع نقوط العرس بالآخر حرام.كله مخاجله وحرج.هو هدية ولا قرض ودين.لساتكم تحكو عن نقوط …