لقمة القاضي هنالك من يسميها “العوّامي” بقلم الكاتب أحمد الحامد زوياني

لقمة القاضي
هنالك من يسميها “العوّامي”.
هي حلوى مرتبطة بشهر رمضان، تحضر موائد السُّفرة لتزينها بشكلها المدور الصغير ولونها الذهبي.
لقمة القاضي حلوة المذاق، إذ تشعر بها في الفم حين تفغمها بأسنانك، فتتفجر لتوزع ما تحتويه من قطرٍ حلوٍ في جوفك، فينتشر في حلقك وتتذوق حلاوتها بلسانك.
تناولها إدمان، ولا أعرف ـ رغم بحثي في عدة مصادر ـ من اخترعها ولماذا سُمّيت بهذا الاسم. لذلك اجتهادًا مني سألفق لها قصة، خاصة أن اسمها يوحي بحكاية درامية.
يُحكى أنه في بغداد عاش قاضٍ يحكم بالعدل بين الناس، وكان بشوشًا محبوبًا من جميع السكان.
وفي يوم من الأيام توفيت زوجة القاضي، فحزن عليها حزنًا شديدًا، وانعكس فقدانه عليها سلبًا؛ لم يعد يتفرغ لدار القضاء، فاختفت مظاهر العدل وازداد الظلم في المدينة، ولم يعد بشوشًا كما كان، بل أصبح دائم الحزن لا يبرح بيته.

اجتمع أعيان المدينة ليجدوا معادلة تعيد القاضي الحزين إلى ما كان عليه.
اتفقوا بعد جلستهم التشاورية أن يبحثوا له عن عروس يزفونه إليها، عسى أن تُنسيه الحزن وتبعث في نفسه السرور.
ذهبوا إلى القاضي في بيته وعرضوا عليه أجمل فتيات بغداد، لكنه كان يرفضهن إصرارًا وتعنتًا.
احتارت الرعية في أمره، فحال مدينتهم يزداد سوءًا كما هو حال قاضيهم المحبوب.
أعلنوا عن جائزة مالية لمن يستطيع أن يخفف عن القاضي حزنه، ويُرفّه عنه ويجعله يبتسم.
جاءت من أقصى المدينة فتاة، مختبئة خلف لثام، وقالت لهم: “أنا من سيغير الحال، وسأبعث في نفس القاضي البهجة والسرور، ولن يكلفكم ذلك دينارًا.”
عادت إلى بيتها وأخذت تحضر أكلة لا مثيل لها، وبعد ساعة أتت بحلوى يتمنّاها العشاق، وقالت: “قدموها للقاضي, ولها سيشتاق. فانها حلوة المذاق”.
حمل كبير الأعيان القصعة ودخل بها إلى القاضي الزعلان، وبعد محاولات وإقناع ولف ودوران. مدّ القاضي يده وتناول قطعة مدورة من الحلوى.
وما إن وضعها في فمه ومضغها حتى تفجر القطر في حلقه، وبدت ملامح التلذذ بمذاقها على وجهه.
نظر القاضي إلى القصعة واختطفها من يدي كبير الأعيان، وأخذ يلتهم الحلوى بشغف وولهان، وهو يتمتم بصوت مسموع: “ما ألذّها! ما أزكاها! ما هذا المصنوع؟ هاتوا لي الصانع!”
خرج كبير الأعيان فرحان، وبعد هنيهة عاد مع الفتاة على وجهها اللثام.
سألها القاضي عن اسم الحلوى ومواصفاتها. ومن أين تعلمت صناعتها.
أجابت ذات اللثام: “إنها صنعت خصيصًا من أجل القاضي، أحسنتُ صناعتها كي تُخرجه من الحزن إلى السرور. أما اسمها فلا اسم لها، لأنها تُصنع لأول مرة.”
قال القاضي: “ماذا تقترحين أن نسمي هذه الحلوى يا ذات اللثام؟”
أجابت: “نسميها لقمة القاضي، ولك الاحترام.”
نظر القاضي إليها معجبًا بكلامها وقال: “أتقبلين الزواج بالقاضي وتكونين له مدام؟”
قالت: “ليس قبل أن أميط اللثام.”
فأمَاطت اللثام. عن وجهٍ, ولا في الاحلام، فأخذت الصَّفنة كل من حضر الديوان، وكفّوا عن الكلام، وفزّ القاضي من مكانه وقام، وصرخ: “يا سلام! هذا ليس جمال إنسان، إمّا أن تكوني حورية أو جان! جمالك خلاب نجده في الأفلام، من أنتِ يا صاحبة أجمل وجه وقوام؟”
قال القاضي: “هاتوا الوالي ليعقد لنا القِران، فهذه الحورية عرفت أن الطريق إلى قلب الرجل معدته. فاحسنت الإنعام.”
وهكذا، وبفضل أمّ اللثام، تأكلون في شهر الصيام لقمة القاضي أو العوامي. على الدوام,
وعادت البسمة إلى وجه القاضي؛ في النهار يحكم بين الناس، وفي الليل لزوجه فاضي.
وتعلمت نسوة بغداد صناعة لقمة القاضي، فانشرح الأزواج منهن، وساد الحب والوئام، وانتشر الأمن والسلام بين الناس في ذلك الزمان.
ويُقال إن عدد السكان, في بغداد ذلك العام ازداد ضعفًا، او ضعفان. فجربها قبل أن تنام.
صحتين وعافية يا إنسان.

شاهد أيضاً

مشاركة عن نقوط العرس – الشيخ وليد فريج

خايف يطلع نقوط العرس بالآخر حرام.كله مخاجله وحرج.هو هدية ولا قرض ودين.لساتكم تحكو عن نقوط …