لا للطائفية المقيتة، ولكن: “فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا” – إبراهيم عبدالله صرصور

لا للطائفية المقيتة، ولكن: “فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا”
بقلم إبراهيم عبدالله صرصور – الرئيس السابق للحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني -1948

من الواضح ان الامة العربية والاسلامية شعوبا وانظمة تسير في اغلبها الساحق عكس اتجاه المنطق الذي يعزز مكانتها ويعيد لها هيبتها ويضمن لها نهضتها ويحجز لها مكانها تحت شمس العالمين، كما كانت على مدى أربعة عشر قرنا مضت…

ففي الوقت الذي تسعى امم الارض الى ان يكون لها مشروعها الجامع على قاعدة التحرر من النزعات الانانية الضيقة لمصلحة دول تتمتع بدرجة عالية من الحرية والتعددية والديموقراطية وتداول السلطة السلمي، ونحو تكتلات كبرى تحقق لها اهدافها في التنمية والتقدم والازدهار باقل ما يمكن من خسائر واعظم ما يمكن من انجازات في اقل مساحة زمنية ممكنة، نرى امتنا العربية والاسلامية تغرق في مستنقع تفتقد فيه الدول الوطنية الى الحد الادنى من الحرية والديموقراطية والحيوية السياسية، وتهرول بوعي او بدون وعي لتشكيل تكتلات طائفية مقيتة، الامر الذي تسبب في غياب مشروع عربي – اسلامي جامع يعزز مناعة الامة ويمكنها من مواجهة التحديات والمخاطر التي تهددها من الداخل ومن الخارج، وتسعى الى حماية مصالحها الجمعية وتحرير اراضيها المغتصبة ومقدساتها المنتهكة وهيبتها المستباحة…

مما يؤسف له ان الجامعة العربية ومنظمة التعاون الاسلامي تم تفريغهما من كل مضمون حتى باتتا جثة هامدة وعبئا ثقيلا بدل ان تكونا رافعة ومحركا ودافعا نحو تحقيق الأهداف المنصوص عليها في مواثيقهما…. سبب ذلك لا يكمن في وجودهما والذي كان من المفروض ان يخدم الغايات العظمى للامة، ولكن لأنهما ورثتا ازمات النظام العربي والاسلامي المأزوم، وحملتا في أحشائهما بذور امراضه المستعصية، فباتتا ميتتين لا حياة فيهما ولا اثر لوجودهما ولا ثقل لهما على المستويين الاقليمي والدولي…

لاحظنا هذا الواقع المرير على مدار تاريخ الصراع وخصوصا عجز الامتين العربية والإسلامية عن عمل شيء ذي بال حيال الازمتين الأخيرتين الأشد خطورة في المرحلة الراهنة:

الاولى: حرب الابادة التي تشنها اسرائيل على قطاع غزة منذ أكثر من سنتين ونصف والتي ما زالت مستمرة في قطاع غزة احتلالا للأرض وسيطرة على البر والبحر والجو، وحصارا وتجويعا وقتلا بطيئا وحرمانا من كل اسباب الحياة، ومنعا لإدخال الغذاء والدواء والوقود والمساكن المؤقتة، وفي الضفة الغربية المحتلة مصادرة للأرض وتهجيرا للسكان واستيلاء على الممتلكات وتوسيعا للاستيطان وطغيانا للإرهاب الاستيطاني اليهودي: تهجيرا وقتلا وتنكيلا وتدميرا وحرقا، وفرضا للسيادة الإسرائيلية الكاملة واقعا قبل الإعلان عنها رسميا…….. اما في مدينة القدس المحتلة وفي القلب منها المسجد الاقصى المبارك، فمشروعات التهويد وفرض السيادة الكاملة وُضعت موضع التنفيذ المتسارع… أخشى ان استغلال إسرائيل للحرب على إيران وقرارها اغلاق المسجد الأقصى امام المصلين المسلمين في شهر رمضان المبارك بدعوى حماية أمن المصلين لأول مرة منذ الاحتلال عام 1967، ما هو الا مقدمة لفرض واقع جديدة من التقسيم المكاني في المسجد الأقصى بعد ان فرضت التقسيم الزماني منذ امد بعيد، قد يكون نسخة مكررة للتقسيم الذي فرضه الاحتلال الإسرائيلي على الحرم الابراهيمي في مدينة الخليل!……..

الازمة الثانية – العدوان الاسرائيلي الامريكي غير المبرر على إيران وهزاته الارتدادية على المحيط العربي وخاصة الخليجي، وما تشكل تطوراته المتلاحقة من تهديد للبقية الباقية من عوامل التماسك العربي والاسلامي لمصلحة المعتدي الغاشم…

إذا خرجت الامة العربية والاسلامية من هذه الازمات وهي ما زالت على قيد الحياة، تتوقع شعوبنا من انظمتها ما يلي:

اولا – الغاء المخططات والمشاريع الطائفية المقيتة لمصلحة مشروع عربي اسلامي جامع تحت سقف واحد يعيد للامة مكانتها ومكانها الذي كان لها على مدار أربعة عشر قرنا من الزمان اقامت خلاله اعدل دولة، وشيدت أعظم حضارة، وبنت اروع مدنية كانت الاساس لنهضة المجتمعات البشرية كلها وخصوصا الرينيسانس الاوروبي…

ثانيا – تنحية ثقافة “سايكس – بيكو” ومخرجاتها عن الفضاء العربي والإسلامي، واقتلاع نبتتها الخبيثة من ارضنا العربية والاسلامية التي: 1. مزقت الديموغرافيا العربية والاسلامية فأنتجت “شعوبا” تعتز بنزعاتها الإقليمية والاثنية الضيقة بعد ان كانت “أمة” واحدة ذات رسالة خالده، 2. مزقت الجغرافيا العربية والاسلامية التي كانت “وطنا واحدا” من جاكارتا حتى طنجه، ومن فرغانه حتى غانا، فأصبحت قطعا متناثرة لها حدود واعلام عمقت القطيعة وعززت الفرقة، وشحنت النفوس بكل عوامل التمزق والضعف، وعززت الانانيات الوطنية والإقليمية، 3. فَتَّتْ السياسةَ العربيةَ والاسلامية فصاغت “حكومات” منغلقة تعيش عزلة شعورية وواقعية كاملة عن غيرها – وان ادعت غير ذلك – وكرست النزاعات والصراعات البينية المصطنعة…… حكومات لا ترى في الوجود الا ذاتها، ولا تحس بأية مسؤولية تجاه اخواتها، بعدما كانت الامة كيانا سياسيا واحدا فرض احترامه على العالم، وكان له تأثيره وحضوره البارز على الساحة السياسة العالمية، فحمت الامة بذلك هيبتها ومصالحها في آن واحد…

ثالثا – على إيران (الشيعية/انا استعمل هذا المصطلح للتعريف فقط) ان تعيد النظر في مشروعها السياسي “الطائفي” الضيق والذي يحمل العداء – اعترفت بذلك او لم تعترف – للامة العربية والاسلامية… ليس من المصلحة أبدا ان تنكر إيران مواقفها المشبوهة من الغزو الأمريكي لأفغانستان والعراق، وتدخلها السافر في سوريا لمصلحة نظام مجرم ولغ في دماء الشعب السوري التواق الى الحرية قبل ان يسقط بأيدي الشعب السوري الحر بكل مكوناته الإسلامية والوطنية الشريفة…… يجب على إيران من ان أجل ان تخرج الامة العربية والإسلامية من عنق الزجاجة من تغيير سياساتها هذه، وان تقتنع بان مستقبلها لن يكون الا مع امتها وجنبا الى جنب معها………

رابعا – على الدول الإسلامية وخصوصا العربية منها (أهل السنة والجماعة/انا استعمل هذا المصطلح للتعريف فقط) الخروج من عباءة الولايات المتحدة الامريكية، والتوقف الفوري عن: 1. مشاريع التطبيع من المحتل الإسرائيلي، 2. تسخير إمكاناتها لخدمة المصالح الغربية (صليبية وصهيونية) دون العربية والإسلامية، 3. التضحية بالمصالح العليا للامة خدمةً لمصالحها الخاصة والضيقة والمتهافتة……

على دول “اهل السنة والجماعة” – على اعتبارهم يشكلون الغالبية الساحقة من المسلمين حول العالم – ان يكون لهم مشروعهم الذي يستمد مادته من الإسلام العظيم وقيمه العليا: حرية، عدالة، كرامة، عزة، إرادة حرة، وحدة، قرار مستقل، نِدِّية، نخوة، شهامة، رفض للظلم، صفر صبر على كل أنواع الضيم…

على الانظمة العربية والاسلامية ان تطهر نفسها فورا من الانطباع السائد انها “في جيب الولايات والمتحدة واسرائيل”، الانطباع الذي التصق بها بها خلال العقود الأخيرة، خصوصا وان شعوبها ترى تفريطها في الدفاع عن قضاياها الكبرى في فلسطين وغيرها، وهرولتها اتجاه الولايات المتحدة والأمريكية (انظر زيارة ترامب للدول الخليجية مؤخرا وما “جباه” من إتاوات بلغت تريليونات الدولارات، إضافة استجابة الدول العربية والإسلامية لمبادرة ترامب إقامة مجلس السلام الذي لم يمنع المذبحة عن قطاع غزة خصوصا وفلسطين عموما، والذي يخدم المصالح الإسرائيلية اكثر من أي شيء آخر)…..

تغيير هذه الصورة النمطية – بحق او بغير حق – تقع على عاتق الأنظمة العربية والاسلامية.. لا يمكن لهذ الصورة ان تتغير الا اذا غيرت هذه الأنظمة سياساتها تجاه قضاياها الكبرى وفي القلب منها قضية فلسطين……..

رابعا: التوقف فورا عن اللعب الخطير بورقتي ” السنة والشيعة”، والذي مزق الامة قديما ويوشك ان يهدم كيانها حديثا… امتنا العربية والاسلامية ما نهضت وما حققت ما حققت من انجازات تاريخية منطلقة من قاعدة “سنة وشيعة”… ابدا…. لكنها عاشت عصورها الذهبية تحت سقف “الاخوة العربية والاسلامية” التي انصهرت في داخلها كل مكونات الامة الدينية والاثنية والعرقية، تحقيقا لقول الله تعالى: “فأصبحتم بنعمته اخوانا”….

خامسا: الاعلان الفوري عن انطلاق قطار المشروع العربي الاسلامي الجامع الذي يحدد ملامح المرحلة المقبلة، والكفيل: ١. بتطهير الجسد العربي – الاسلامي من كل امراضه وازماته…. ٢. توحيد سياساته الداخلية والخارجية خدمة لمصالح الامة الجامعة…. ٣. التبرؤ الفوري من كل النزعات الطائفية التي مزقت الامة، والاعلان عن “الوحدة العربية والاسلامية” كمحرك للأداء العربي الاسلامي في المرحلة الجديدة، يحرر قرارها ويحفظ كرامتها ويردع اعدائها، ويحجز لها مكانتها في الصف الاول بين دول العالم….

لست ساذجا الى درجة ان اطالب في هذه المرحلة بإقامة دولة “الولايات المتحدة العربية” تمهيدا لإقامة دولة “الولايات المتحدة الاسلامية”، مع ان هذا المطلب هو الطبيعي، فهنالك دولة الصين ( مليار ونصف)، والهند (مليار ونصف)، والولايات المتحدة الامريكية ( ٤٥٠ مليون)، فما الذي يمنعنا كأمة من ان نكون كذلك؟

لكنني اكتفي في هذه المرحلة برفع الشعار: وحدة عربية اسلامية بعيدا عن اي نفس طائفي، هو المطلوب.

شاهد أيضاً

مشاركة عن نقوط العرس – الشيخ وليد فريج

خايف يطلع نقوط العرس بالآخر حرام.كله مخاجله وحرج.هو هدية ولا قرض ودين.لساتكم تحكو عن نقوط …