كفر قاسم تودع ابنتها “هنا” وعمتي تسلم أمانة الذاكرة للأجيال بقلم الاستاذ محمود عامر

استيقظت كفر قاسم اليوم على وقع خبر حزين اهتزت له القلوب، برحيل عمتي الغالية، طيبة الذكر الحاجة هناء سليمان القطيط عامر “ام ايوب”. برحيلها هذا ، لا تودع بلدتنا مجرد سيدة من رعيل المأساة ، بل نودع وطنا من الايمان تجسد في امرأة . هناء هي تلك الصبية التي عانقت الموت في ربيعها السادس عشر عام 1956، حين سقطت جريحة تحت اجساد الشهيدات في شاحنة الموت، فشاءت الاقدار ان تنجو لتكون حارسة الوفاء واللسان الناطق باسم من رحلوا في مذبحة 1956, لقد حملت عمتي في قلبها ندبة كفر قاسم، لكنها لم تجعل من ذلك الوجع قيدا، بل حولته الى طاقة بناء مذهلة، فكانت حياتها ردا بليغا بان الحق لا يموت ما دام وراءه قلب ينبض بالاصرار .
في داخل جدران بيتها، صاغت عمتي “ام ايوب” مع رفيق دربها الحاج “ابو ايوب” حفظه الله ، ملحمة انسانية تفوق الوصف؛ فقد كانت ربة لأسرة كبيرة ، احاطت بكنفها وجدان الابناء والبنات على حد سواء ، ومنحتهم عصارة روحها لتصنع منهم رجالا ونساء يشار اليهم بالبنان . شمرت عن ساعديها وشاركت زوجها كدح الايام ، تخوض معارك الحياة بشرف وكبرياء ، حيث تجلى نبلها في قدرتها الفذة على احتواء الجميع ؛ فكانت الام التي غمرت بحنانها الابن الذي صار منارة للعلم في دروب التربية والتعليم ، والابناء الذين كدوا بيمينهم في ميادين المهن الحرة والشريفة ، والابن الذي خصه الله بحاجة خاصة فكانت له هي العين والقلب والسند الصامد . لم تميز في عطائها ، بل ربت بناتها على العفة والمسؤولية وابناءها على الاخلاق والرضا ، مؤمنة بان بناء الانسان السوي والمحب لأهله هو اعظم انتصار على قسوة القدر وظلم التاريخ.. ! ظلت عمتي “أم أيوب” ايقونة لا تنحني ، وازنت بعبقرية نادرة بين كونها أما تفيض رحمة في محيطها ، وبين كونها ضميرا حيا يقف بصلابة امام محاولات التزييف . كانت تروي حكاية المجزرة للاجيال وكانها تؤدي صلاة وطنية ، بصوت هادئ واثق يزرع في وعي الشباب ان الذاكرة هي خط الدفاع الاخير عن الوجود .
نعم ، ترحل اليوم “الشاهدة الاخيرة” جسدا ، لكنها تترك خلفها إرثا لا تذروه الرياح ؛ إرثا يسكن في نجاحات ابنائها ، وفي مروءة بناتها، وفي وعي كل قسماوي تربى على صدق روايتها .
اللهم ارحم عمتي ام ايوب برحمتك الواسعة، واجعل مسكنها الفردوس الاعلى مع الشهداء والصالحين. نسأل الله ان يربط على قلوب ابنائها وبناتها وجميع افراد عائلتنا، وان يلهمنا جميعا الصبر والسلوان على هذا الفقد الجلل.

شاهد أيضاً

مشاركة عن نقوط العرس – الشيخ وليد فريج

خايف يطلع نقوط العرس بالآخر حرام.كله مخاجله وحرج.هو هدية ولا قرض ودين.لساتكم تحكو عن نقوط …