ومن جهة اخرى, لا انصحك بقراءته. لانه سيفقدك شهوة الطعام والشراب. بل الاستمرار في العيش. ستشعر ان هذه حياة بلا طعم. فدعك من الكتاب, واستمر في حياتك المعتادة.
بالأمس، حضرت حفل إشهار كتاب كفر قاسم المنكوبة، من تأليف المرحوم عمر العصفور (أبو ناصر). لم يكن مجرد كتاب، بل وثيقة دامغة، كتبها أحد أبناء الرعيل الأول الستة الذين ضحّوا بكل نفيس، حتى بسراويل زوجاتهم، ليخيطوا بها شريطًا أسودًا يفضح الجلاد الذي وجّه فوهات بنادقه نحو فلاحين أنهكهم التعب، ولم يكن ذنبهم سوى عودتهم مساءً من أعمالهم، حاملين في قلوبهم شوقًا إلى بيوتهم الطينية، وأملًا في وجبة بسيطة مما رزقهم الله.
لكن الجلاد سبقهم إلى مدخل القرية، وأمطرهم بوابل من الرصاص، فارتقى تسعة وأربعون شهيدًا، بينهم “جنين” كان ينتظر خروجه من رحم الشهيدة فاطمة صرصور (أم علي).
في البداية، ظننت أن الحفل لن يختلف عن عشرات الاحتفالات التي حضرتها من قبل: كلمات مدح، شكر، وترحم على المؤلف. بدا كل شيء مألوفًا، حتى لحظة انفجار العريف محمود صرصور (أبو علاء) بالبكاء على المنصة. لم أفهم سبب بكائه حينها.
عدت إلى بيتي، أحمل نسخة من الكتاب، وكم ندمت أنني لم أحتفظ بعشر نسخ! فقد غصت في قراءة هذا الكنز البراق، الذي يلمع في ذاكرة كفر قاسم كوميض الحقيقة. وكباحث في تاريخ المنطقة، صُعقت من دقة السرد، ودهشت من حجم الإجابات التي وجدتُها بين السطور. كنت أضع خطًا تحت كل جملة مهمة، حتى وجدت أن الكتاب كله صار مغطى بالخطوط. كل جملة فيه كانت في الصميم.
الكتاب لم يُكلّف القارئ فلسًا واحدًا. وُزّع مجانًا، واستُقبل المشاركون ببسمات وترحاب، وتشريفات من المعجنات. فقط طُلب منا أن نشارك الفرح، وأن نرسل “الفاتحة” إلى روح المؤلف.
المؤلف لم يتعمّق في الأحداث كما يفعل الباحثون عادة، وهو يعترف بذلك. اكتفى بنقل الخبر كما سمعه، حرفيًا، دون تزويق أو تحليل. لكنه، وبكل بساطة، أعاد إحياء لقطات تاريخية كانت على وشك الاندثار.
هذا الكتاب يستحق كل التقدير. فقد دون فعلا تاريخ كفر قاسم, من فجرها حتى نكبتها.
بعد أن أنهيت قراءة الكتاب، فهمت لماذا بكى العريف محمود صرصور. لقد أدرك أن المؤلف لم يكن مجرد شاهد على زمن، بل كان مؤرخًا، وضميرًا حيًا لكفر قاسم. يا محمود، لقد شاركتك البكاء على فقدان أكبر قامة عرفتها كفر قاسم. رحمك الله يا أبا ناصر.
وأتوجه إلى أبناء المرحوم بطلب صادق: اسمحوا لي أن أستخدم كتاب والدكم كمصدر في أبحاثي، كما أعلنتم في مقدمة الكتاب. أريد ذلك خطيًا، وفاءً لروح من كتب، ووفاءً لذاكرة من استُشهد.


نبض كفرقاسم Nabd KQ من كفرقاسم… وإليها، بكل نبضة حب وانتماء.